وهبة الزحيلي

142

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ الاستفهام للإنكار والتوبيخ . المفردات اللغوية : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ المنكر للبعث : أبيّ بن خلف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية . فإن الأول أخذ عظاما بالية ، ففتّها ، وقال : يزعم محمد أنّا نبعث بعد الموت . أو المراد بالإنسان : بعض الناس المعهود وهم الكفرة ، أو المراد به الجنس ، فإن المقول مقول فيما بينهم ، وإن لم يقل كلهم ، كقولك : بنو فلان قتلوا فلانا ، والقاتل واحد منهم . أَ إِذا ما مِتُّ ، لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا من الأرض ، أو من حال الموت . وتقديم الظرف ؛ لأن المنكر وقت الحياة لأمر بعد الموت ، وهو منصوب بفعل دل عليه أُخْرَجُ لا به ، فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها ، والاستفهام بمعنى النفي ، أي لا أحيا بعد الموت . و ما زائدة للتأكيد ، وكذا اللام في لَسَوْفَ للتأكيد . أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ عطف على يَقُولُ وهو رد على مقاله السابق . ويذكر أصله : يتذكر أي يتفكر أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ، وَلَمْ يَكُ شَيْئاً فيستدل بابتداء الخلق على الإعادة . فَوَ رَبِّكَ قسم باسمه تعالى مضاف إلى نبيه ، تحقيقا للأمر ، وتفخيما لشأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لَنَحْشُرَنَّهُمْ لنجمعنهم أي الكفار المنكرين للبعث وَالشَّياطِينَ عطف أو مفعول معه . لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم ، كل مع شيطانه في سلسلة . وهذا وإن كان مخصوصا بالكفار ، ساغ نسبته إلى الجنس البشري بأسره ، فإنهم إذا حشروا ، وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين ، فقد حشروا جميعا معهم حَوْلَ جَهَنَّمَ من خارجها جِثِيًّا على الركب ، جمع جاث : وهو البارك على ركبتيه . شِيعَةٍ أمة أو جماعة أو فرقة منهم شايعت دينا وتعاونت على الباطل أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا أي تكبرا وجرأة وعصيانا ومجاوزة للحد ، أي من كان أعصى وأعتى منهم ، فنطرحهم في جهنم . وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو عن كثير من أهل العصيان . ولو خص ذلك بالكفرة ، فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم ، ويطرحهم في النار ، على الترتيب ، أو يدخل كلا طبقتها التي تليق بهم . أَوْلى بِها أحق بجهنم ، الأشد وغيره منهم صِلِيًّا أي أحق بالصلي ، وهو الدخول فيها والاحتراق ، من صلي بالنار : إذا قاس حرها . وَإِنْ مِنْكُمْ وما منكم أحد ، التفات إلى الإنسان وارِدُها مارّ بها وهي خامدة ، على الصراط الممدود عليها . وأما قوله : أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ أي عن عذابها حَتْماً واجبا مَقْضِيًّا قضي بوقوعه ، فلا ينقص وعده مطلقا .