وهبة الزحيلي
137
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا . رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبُّ السَّماواتِ إما مرفوع بدل من رَبِّكَ اسم كانَ ، أو خبر مبتدأ مقدر ، أي هو ربّ السماوات ، أو مبتدأ ، وخبره فَاعْبُدْهُ عند أبي الحسن الأخفش ؛ لأنه يجوز أن تزاد الفاء في خبر المبتدأ ، وإن لم يكن المبتدأ اسما موصولا ، أو نكرة موصوفة ، مثل : « زيد فمنطلق » والأكثرون على أن الفاء عاطفة ، لا زائدة ، أي هذا زيد فهو منطلق ، فكل واحد منهما خبر مبتدأ محذوف . البلاغة : لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا بينهما طباق . المفردات اللغوية : نَتَنَزَّلُ التنزل : النزول على مهل وقتا بعد وقت ، وهو حكاية قول جبريل حين استبطأه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ، ولم يدر ما يجيب ، ورجا أن يوحى إليه فيه ، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ المعنى : وما ننزل وقتا بعد وقت إلا بأمر اللّه ومشيئته على ما تقتضيه حكمته . وقرئ : وما يتنزل ، والضمير للوحي لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ له ما أمامنا في الزمان المستقبل ، وما وراءنا من الزمان الماضي ، وما بينهما من الزمان الحاضر وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي ناسيا تاركا لك ، بتأخير الوحي عنك ، والمعنى : ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ، ولم يكن ذلك عن ترك اللّه لك ، وتوديعه إياك ، كما زعمت الكفرة ، وإنما كان لحكمة رآها فيه . رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما بيان لامتناع النسيان عليه فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مرتب على ما سبق ، أي لما عرفت ربّك بأنه لا ينبغي له أن ينساك ، فأقبل على عبادته واصطبر عليها ، أي اصبر على مشاقها وشدائدها ، ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفرة . وإنما عدّي باللام لِعِبادَتِهِ لتضمنه معنى الثبات للعبادة ، كما تقول للمحارب : اصطبر لقرنك ، أي أثبت له في حملاته هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي مثلا ونظيرا مسمى بذلك ، أي اللّه ؟ فإن المشركين لم يسموا الصنم الإله : ( اللّه ) قط . وإذا صح ألا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره ، لم يكن بد من التسليم لآمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها . سبب النزول : أخرج أحمد والبخاري عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وآله وسلّم لجبريل : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ، فنزلت : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ .