وهبة الزحيلي
131
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
اتباع أوامر الدين وترك نواهيه ، ترغيبا في التأسي بطريقتهم ، ذكر صفات الخلف الذين أتوا بعدهم ممن أضاعوا واجبات الدين ، وانتهبوا اللذات والشهوات ، ثم ذكر ما ينالهم من العقاب في الآخرة ، إلا من تاب ، فإن اللّه يقبل توبته ، ويورثه جنات النعيم التي لا يرثها إلا الأتقياء . قال الرازي : وظاهر الكلام . أن المراد من بعد هؤلاء الأنبياء خلف من أولادهم . وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في قوم من هذه الأمة يتراكبون في الطرق ، كما تراكب الأنعام ، لا يستحيون من الناس ، ولا يخافون من اللّه في السماء . أخرج أحمد وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وتلا هذه الآية ، قال : « يكون خلف من بعد ستين سنة ، أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، فسوف يلقون غيا ، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم ، ويقرأ القرآن ثلاثة : مؤمن ، ومنافق ، وفاجر » . التفسير والبيان : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي فجاء خلف سوء من بعد أولئك السعداء وهم الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم القائمون بحدود اللّه وأوامره ، المؤدون فرائض اللّه ، التاركون لزواجره . أولئك الخلف يدّعون الإيمان واتباع الأنبياء ، ولكنهم مخالفون مقصرون كاليهود والنصارى وفسّاق المسلمين الذين تركوا الصلاة المفروضة عليهم ، وآثروا شهواتهم من المحرّمات على طاعة اللّه ، فاقترفوا الزنى ، وشربوا الخمور ، وشهدوا شهادة الزور ، ولعبوا الميسر ، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، فهؤلاء جزاؤهم أنهم سيلقون غيا ، أي شرا وخيبة وخسارا يوم القيامة ، لارتكابهم المعاصي ، وإهمال الواجبات .