وهبة الزحيلي

124

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

درسه ؛ إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وإنه أول من خط بالقلم ، وخاط الثياب ولبس المخيط ، وكانوا قبله يلبسون الجلود ، وأول من نظر في علم النجوم والحساب ، وأول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة ، فقاتل بني قابيل ، وأول مرسل بعد آدم . وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا يعني شرف النبوة والزلفى عند اللّه تعالى ، وقيل : الجنة ، وقيل : في السماء الرابعة أو السادسة أو السابعة ، والأول أصح . المناسبة : هذه قصة إدريس هي القصة السادسة من سورة مريم ، ذكرت للعبرة ؛ لأنه دعا إلى دين اللّه والتوحيد وعبادة الخالق ، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا ، وحض على الزهد في الدنيا والعمل بالعدل ، وأمر بالصلاة وبصيام أيام من كل شهر ، وحث على جهاد الأعداء ، وأمر بالزكاة معونة للضعفاء ، وغلظ في الطهارة من الجنابة والكلب والحمار ، وحرم المسكر من كل شيء . وهو أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام . فهو من ذرية آدم لقربه منه ؛ لأنه جد أبي نوح ، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح ؛ لأنه من ولد سام بن نوح . وجاء في صحيح مسلم في حديث الإسراء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مرّ به في السماء الرابعة . وهذا هو الصحيح ، وأما ما ذكر في البخاري من أنه في السماء الثانية فهو وهم . ولد بمنف في مصر ، وسموه ( هرمس الهرامسة ) وقيل : ولد ببابل ، وأخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم ، وهو جد جد أبيه . وأقام بمصر يدعو الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وطاعة اللّه عزّ وجلّ . وكان يعلّمهم كيفية تخطيط المدن . أقام في الأرض اثنتين وثمانين سنة ، وكان على فص خاتمه : « الصبر مع