وهبة الزحيلي
112
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وجوز سفيان بن عيينة تحية الكافر وأن يبدأ بها ، قيل لابن عيينة : هل يجوز السلام على الكافر ؟ قال : نعم ، قال اللّه تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الممتحنة 60 / 8 ] ؛ وقال : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [ الممتحنة 60 / 4 ] الآية ؛ وقال إبراهيم لأبيه : سَلامٌ عَلَيْكَ ويؤيده حديث آخر في الصحيحين عن أسامة بن زيد : أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم سلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفيهم عبد اللّه بن أبيّ بن سلول . وقال الطبري : وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب ، وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه ، وقال : ولكن حق الصحبة . وكان أبو أمامة إذا انصرف إلى بيته ، لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه ؛ فقيل له في ذلك ، فقال : أمرنا أن نفشي السلام . وسئل الأوزاعي عن مسلم مرّ بكافر فسلّم عليه ، فقال : إن سلّمت فقد سلّم الصالحون قبلك ، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك . وأما الاستغفار للكافر فقد أوضحناه في تفسير الآيات هنا ، وخلاصته : أنه ممنوع بعد الموت ، جائز في الحياة بمعنى طلب الهداية والرشاد . والدليل على أن الاستغفار للكافر لا يجوز آيتان تقدمتاهما : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة 9 / 113 ] و إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ . . [ الممتحنة [ 60 / 4 ] أي لا تتبعوه في ذلك . 8 - قال الرازي : اعلم أنه ما خسر على اللّه أحد ، فإن إبراهيم عليه السلام لما اعتزل قومه في دينهم وفي بلدهم ، واختار الهجرة إلى ربه إلى حيث أمره ، لم يضره ذلك دينا ودنيا ، بل نفعه فعوضه أولادا أنبياء ، وذلك من أعظم النعم في الدنيا والآخرة . ثم إنه تعالى وهب لهم مع النبوة ما وهب من المال والجاه والأتباع والنسل الطاهر والذرية الطيبة ، ثم قال تعالى : وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ