وهبة الزحيلي
23
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ورددنا لكم القوة ، وأهلكنا أعداءكم ، وجعلناكم أكثر نفيرا ، أي عددا من الرجال ، وأمددناكم بالأموال والأولاد والسّلاح بفضل طاعة اللّه والاستقامة على أمره : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران 3 / 140 ] ولذا قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ . . أي إن أحسنتم العمل ، فأطعتم اللّه واتّبعتم أوامره واجتنبتم نواهيه ، أو إن أحسنتم بفعل الطاعات ، فقد أحسنتم إلى أنفسكم ؛ لأنكم بالطاعة تنفعونها ، فيفتح اللّه عليكم أبواب الخيرات والبركات ، ويدفع عنكم أذى أهل السوء في الدّنيا ، ويثيبكم في الآخرة ، وإن أسأتم بفعل المحرّمات أسأتم إلى أنفسكم ؛ لأنكم بالمعصية تضرّونها ، فبشؤم تلك المعاصي يعاقبكم اللّه بالعقوبات المختلفة ، من تسليط الأعداء في الدّنيا ، وإيقاع العذاب المهين في الآخرة . وقوله تعالى : فَلَها أي فعليها ، كما قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصلت 41 / 46 ] . وهذه سنّة اللّه في خلقه ، إن عصوا سلّط اللّه عليهم القتل والنّهب والسّبي ، وإن تابوا أزال عنهم تلك المحنة ، وأعاد لهم الدولة ، جَزاءً وِفاقاً [ النبأ 78 / 26 ] ، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت 41 / 46 ] . فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ . . . أي فإذا حان موعد المرة الأخيرة ، وجاء وقت العقاب على الكرة الثانية من الإفساد والإقدام على قتل زكريا ويحيى عليهما السّلام ، أرسلنا أعداءكم ليسوؤا وجوهكم ، أي ليظهروا المساءة في وجوهكم بالإهانة والقهر ، وليدخلوا المسجد ، أي بيت المقدس قاهرين ، كما دخلوه في أول مرة للتخريب والتدمير وإحراق التوراة ، وَلِيُتَبِّرُوا ، أي يدمّروا ويخرّبوا ، ما عَلَوْا ، أي ظهروا عليه ، تَتْبِيراً ، أي تخريبا وهلاكا شديدا ، فلا يبقون شيئا من آثار الحضارة والعمران ، ويبيدون الأرض ومن عليها ، ويهلكون الحرث والزرع والثمر ، وقد سلّط اللّه عليهم في هذه المرة