وهبة الزحيلي
24
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المفردات اللغوية لا تَدْخُلُوا مصر . وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة مشتهرين في مصر بالكرامة والحظوة عند العزيز ، فخاف عليهم أن يدخلوا جماعة واحدة فتصيبهم العين . ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى ، لأنهم كانوا مجهولين حينئذ . وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي وما أدفع عنكم بقولي ذلك شيئا قدره اللّه عليكم وقضاه ، وإنما ذلك شفقة ، فإن الحذر لا يمنع القدر . ومن : صلة زائدة لتمكين النفي . إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي ما الحكم إلا للّه وحده ، يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء ، ولا ينفعكم ذلك . عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ به وثقت . فَلْيَتَوَكَّلِ الفاء لإفادة التسبب ، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم . والواو في قوله وَعَلَيْهِ للعطف ، وقدم عَلَيْهِ في عطف الجملة على الجملة للاختصاص . مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي من أبواب متفرقة في البلد . ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ أي ما كان يفيد رأي يعقوب واتباعهم له مما قضاه اللّه عليهم شيئا ، فحدث وضع الصواع في رحل بنيامين ، وتضاعفت المصيبة على يعقوب . إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها استثناء منقطع ، أي ولكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم وحرصه على ألا يعانوا ( تصيبهم العين ) وقضاها أي أظهرها ، ووصى بها . وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ إن يعقوب عليم بحقائق الأمور وأن العين لا توقع ضررا إلا بإذن اللّه ، لتعليمنا إياه بالوحي وإقامة الحجج ، ولذلك قال : وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ولم يغتر بتدبيره . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار . لا يَعْلَمُونَ سر القدر ، وأنه لا يغني عنه الحذر ، وأن الحكم للّه . وهذا ثناء من اللّه على يعقوب عليه السّلام . المناسبة : بعد أن أبان اللّه تعالى موافقة يعقوب على إرسال بنيامين مع إخوته إلى مصر ، ذكر هنا وصيته لأولاده لما عزموا على الخروج إلى مصر ، وهي الدخول من أبواب متفرقة ، ليروا مدى الاهتمام والاستقبال لكل واحد منهم حين رؤية بنيامين شقيق يوسف ، أو لئلا يحسدهم الحساد ، وتصيبهم العين جميعا .