وهبة الزحيلي

19

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ قال الزمخشري : هذا استثناء متّصل ، مفعول له أي لأجله ، والكلام المثبت الذي هو قوله : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في تأويل المنفي ، ومعناه : لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم ، أي لا تمتنعون منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة ، وهي أن يحاط بكم . المفردات اللغوية : مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ حكم بمنعه بعد هذا إن لم ترسل أخانا بنيامين . نَكْتَلْ نتمكن من اكتيال ما نحتاج إليه . وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يناله مكروه . قالَ يعقوب لهم هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ أي ما آمنكم عليه إلا كما آمنتكم على أخيه يوسف من قبل ، وقد قلتم فيه : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ثم فعلتم به ما فعلتم . فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً فأتوكّل عليه وأفوض أمري إليه . وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فأرجو أن يرحمني بحفظه ، ولا يجمع عليّ مصيبتين . ما نَبْغِي ما : استفهامية ، أي : أيّ شيء نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا ؟ وكانوا ذكروا له إكرامه لهم . هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا استئناف موضح لقوله : ما نَبْغِي . وَنَمِيرُ أَهْلَنا نأتي بالميرة لهم وهي الطعام ، وهو معطوف على محذوف ، أي ردّت إلينا ، فنستظهر بها ، ونمير أهلنا بالرّجوع إلى الملك . وَنَحْفَظُ أَخانا من المخاوف في ذهابنا وإيابنا . وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ لأخينا ، أي مكيل بعير . ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ سهل على الملك لسخائه ، أو سهل لا عسر فيه لتوافر الغلال لديه . حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً حتى تعطوني عهدا . مِنَ اللَّهِ بأن تحلفوا به . إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ بأن تموتوا أو تغلبوا ، فلا تطيقوا ذلك ولا تستطيعوا الإتيان به ، وهو استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال ، والتّقدير : لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم . فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ أعطوه عهدهم بذلك . قالَ : اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ من طلب الموثق وإتيانه وَكِيلٌ شهيد ، ورقيب مطّلع . المناسبة : الكلام وثيق الصّلة بما قبله ، فبعد أن ذكر اللّه تعالى مطالبة يوسف عليه السّلام إخوته بإحضار أخيه بنيامين ، ذكر هنا مفاوضتهم أباهم لإنجاز المطلوب ، وإبداءه مخاوفه عليه كمخاوفه القديمة التي أظهرها عندما تآمروا على أخذ يوسف عليه السّلام للصّحراء بقصد الرّتع واللعب .