الغزالي

98

إحياء علوم الدين

[ 1 ] « ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع وليس عليه لحم » وفي لفظ آخر « كانت مسألته خدوشا وكدوحا في وجهه » وهذه الألفاظ صريحة في التحريم والتشديد [ 2 ] وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما على الإسلام ، فاشترط عليهم السمع والطاعة ثم قال لهم كلمة خفيفة « ولا تسألوا النّاس شيئا » وكان صلى الله عليه وسلم يأمر كثيرا بالتعفف عن السؤال ، ويقول [ 3 ] « من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله ومن لم يسألنا فهو أحب إلينا » وقال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « استغنوا عن النّاس وما قلّ من السّؤال فهو خير » قالوا ومنك يا رسول الله ؟ قال « ومنّي » وسمع عمر رضي الله عنه سائلا يسأل بعد المغرب ، فقال لواحد من قومه : عشّ الرجل فعشاه . ثم سمعه ثانيا يسأل ، فقال . ألم أقل لك عش الرجل ؟ قال قد عشيته . فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا . فقال . لست سائلا ، ولكنك تاجر . ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة ، وضربه بالدرّة ، وقال لا تعد . ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ولعل الفقيه الضعيف المنة ، الضيق الحوصلة ، يستبعد هذا من فعل عمرو يقول . أما ضربه فهو تأديب ، وقد ورد الشرع بالتعزير . وأما أخذه ماله فهو مصادرة ، والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ المال ، فكيف استجازه ؟ وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه . فأين يظهر فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، واطلاعه على أسرار دين الله