الغزالي

68

إحياء علوم الدين

ويقيد قلبه ، فيدعوه إلى الشهوات ، وهذا حال الضعفاء ، فلا جرم البغض للمال والهرب منه في حقهم كمال . وهذا حكم جميع الخلق ، لأن كلهم ضعفاء إلا الأنبياء والأولياء ، وإما أن ينقل عن قوي بلغ الكمال ، ولكن أظهر الفرار والنفار نزولا إلى درجة الضعفاء ، ليقتدوا به في الترك ، إذ لو اقتدوا به في الأخذ لهلكوا ، كما يفر الرجل المعزم بين يدي أولاده من الحية لا لضعفه عن أخذها ، ولكن لعلمه أنه لو أخذها أخذها أولاده إذا رأوها فيهلكون . والسير بسير الضعفاء ضرورة الأنبياء ، والأولياء ، والعلماء فقد عرفت إذا أن المراتب ست ، وأعلاها رتبة المستغنى ، ثم الزاهد ، ثم الراضي ، ثم القانع ، ثم الحريص . وأما المضطر فيتصور في حقه أيضا الزهد ، والرضا ، والقناعة ، ودرجته تختلف بحسب اختلاف هذه الأحوال . واسم الفقير يطلق على هذه الخمسة . أما تسمية المستغنى فقيرا فلا وجه لها بهذا المعنى . بل إن سمي فقيرا فبمعنى آخر ، وهو معرفته بكونه محتاجا إلى الله تعالى في جميع أموره عامة ، وفي بقاء استغنائه عن المال خاصة فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبودية وأقرّ بها ، فإنه أحق باسم العبد من الغافلين ، وإن كان اسم العبد عاما للخلق ، فكذلك اسم الفقير عام . ومن عرف نفسه بالفقر إلى الله تعالى فهو أحق باسم الفقير . فاسم الفقير مشترك بين هذين المعنيين وإذا عرفت هذا الاشتراك ، فهمت أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « أعوذ بك من الفقر » وقوله عليه السلام [ 2 ] « كاد الفقر أن يكون كفرا » لا يناقض قوله [ 3 ] « أحيني مسكينا وأمتني مسكينا » إذ فقر المضطر هو الذي استعاذ منه ، والفقر الذي هو الاعتراف بالمسكنة ، والذلة ، والافتقار إلى الله تعالى ، هو الذي سأله في دعائه صلى الله عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء