الغزالي

66

إحياء علوم الدين

واستثقاله ، وكراهة حضوره ، فهو في حال اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه . ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق ، ولم يلتفت إليه . فكما أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور المعشوق شرك في العشق ، ونقص فيه ، فكذا النظر إلى غير المحبوب لبغضه شرك فيه ونقص ، ولكن أحدهما أخف من الآخر . بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب بغضا وحبا ، فإنه كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة ، فلا يجتمع أيضا بغض وحب في حالة واحدة فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن الله كالمشغول بحبها ، إلا أن المشغول بحبها غافل ، وهو في غفلته سالك في طريق البعد ، والمشغول ببغضها غافل ، وهو في غفلته سالك في طريق القرب إذ يرجى له أن ينتهى حاله إلى أن تزول هذه الغفلة وتتبدل بالشهود ، فالكمال له مرتقب ، لأن بغض الدنيا مطية توصل إلى الله فالمحب والمبغض كرجلين في طريقي الحج ، مشغولين بركوب الناقة ، وعلفها ، وتسييرها ولكن أحدهما مستقبل الكعبة ، والآخر مستدبر لها . فهما سيان بالإضافة إلى الحال ، في أن كل واحد منهما محجوب عن الكعبة ومشغول عنها ، ولكن حال المستقبل محمود بالإضافة إلى المستدبر ، إذ يرجى له الوصول إليها ، وليس محمودا بالإضافة إلى المعتكف في الكعبة ، الملازم لها ، الذي لا يخرج منها حتى يفتقر إلى الاشتغال بالدابة في الوصول إليها فلا ينبغي أن تظن أن بغض الدنيا مقصود في عينه . بل الدنيا عائق عن الله تعالى ، ولا وصول إليه إلا بدفع العائق . ولذلك قال أبو سليمانى الداراني رحمه الله : من زهد في الدنيا واقتصر عليه ، فقد استعجل الراحة . بل ينبغي أن يشتغل بالآخرة . فبين أن سلوك طريق الآخرة وراء الزهد ، كما أن سلوك طريق الحج وراء دفع الغريم العائق عن الحج فإذا قد ظهر أن الزهد في الدنيا إن أريد به عدم الرغبة في وجودها وعدمها ، فهو غاية الكمال ، وإن أريد به الرغبة في عدمها ، فهو كمال بالإضافة إلى درجة الراضي ، والقانع ، والحريص ، ونقصان بالإضافة إلى درجة المستغنى . بل الكمال في حق المال أن يستوي عندك المال والماء . وكثرة الماء في جوارك لا تؤذيك بأن تكون على شاطئ البحر . ولا قلته تؤذيك إلا في قدر الضرورة ، مع أن المال محتاج إليه ، كما أن الماء محتاج إليه . فلا يكون قلبك