الغزالي

5

إحياء علوم الدين

ويفارقه الكبر ، والحقد ، والحسد ، بل يصير مستوعب الهم بخوفه والنظر في خطر عافيته فلا يتفرغ لغيره ، ولا يكون له شغل إلا المراقبة ، والمحاسبة ، والمجاهدة ، والضنة بالأنفاس واللحظات ، ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات ، ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار ، لا يدرى أنه يغفل عنه فيفلت ، أو يهجم عليه فيهلك . فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف منه ، لا متسع فيه لغيره . هذا حال من غلبه الخوف ، واستولى عليه . وهكذا كان حال جماعة من الصحابة والتابعين . وقوة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة بحسب قوة الخوف الذي هو تألم القلب واحتراقه . وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله وصفاته وأفعاله ، وبعيوب النفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال . وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال ، أن يمنع عن المحظورات . ويسمى الكف الحاصل عن المحظورات ورعا . فإن زادت قوته كف عما يتطرق إليه إمكان التحريم ، فيكف أيضا عما لا يتيقن تحريمه . ويسمى ذلك تقوى . إذا التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به ، مخافة ما به بأس . وهو الصدق في التقوى . فإذا انضم إليه التجرد للخدمة ، فصار لا يبنى ما لا يسكنه ، ولا يجمع ما لا يأكله ، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ، ولا يصرف إلى غير الله تعالى نفسا من أنفاسه ، فهو الصدق . وصاحبه جدير بأن يسمى صديقا . ويدخل في الصدق التقوى ، ويدخل في التقوى الورع ، ويدخل في الورع العفة ، فإنها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة . [ تأثير الخوف في الجوارح ] فإذا الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والإقدام ، ويتجدد له بسبب الكف اسم العفة ، وهو كف عن مقتضى الشهوة . وأعلى منه الورع ، فإنه أعم ، لأنه كف عن كل محظور . وأعلى منه التقوى ، فإنه اسم للمكلف عن المحظور والشبهة جميعا . ووراءه اسم الصديق والمقرب ، وتجرى الرتبة الآخرة مما قبلها مجرى الأخص من الأعم ، فإذا ذكرت الأخص فقد ذكرت الكل ، كما أنك تقول الإنسان إما عربي وإما عجمي . والعربي إما قرشي أو غيره ، والقرشي إما هاشمي أو غيره ، والهاشمي إما علوي أو غيره ، والعلوي إما حسنى أو حسينى . فإذا ذكرت أنه حسنى مثلا ، فقد وصفته بالجميع . وإن وصفته بأنه علوي ، وصفته بما هو فوقه مما هو أعم منه . فكذلك إذا قلت صديق ، فقد قلت إنه تقى ، وورع ، وعفيف . فلا ينبغي أن تظن أن كثرة هذه الأسامي تدل على معان كثيرة متباينة ، فيختلط عليك كما اختلط