الغزالي
57
إحياء علوم الدين
وقال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه : سألت الله عز وجل أن يفتح عليّ بابا من الخوف ففتح ، فخفت على عقلي ، فقلت يا رب على قدر ما أطيق . فسكن قلبي وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته ، وصلى حتى ينكسر صلبه . وكأنه أشار إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » وقال العنبري : اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض ، فاطلع عليهم من كوّة وهو يبكى ، ولحيته ترجف . فقال عليكم بالقرءان ، عليكم بالصلاة ، ويحكم ليس هذا زمان حديث ، إنما هذا زمان بكاء ، وتضرع واستكانة ، ودعاء كدعاء الغريق . إنما هذا زمان احفظ لسانك ، وأخف مكانك ، وعالج قلبك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر . ورؤي الفضيل يوما وهو يمشى ، فقيل له إلى أين ؟ قال لا أدرى . وكان يمشى والها من الخوف وقال ذرّ بن عمر لأبيه عمر بن ذر : ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكى أحد ، فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من كل جانب ؟ فقال يا بني ، ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة وحكي أن قوما وقفوا بعابد وهو يبكى ، فقالوا ما الذي يبكيك يرحمك الله ؟ قال قرحة يجدها الخائفون في قلوبهم . قالوا وما هي ؟ قال روعة النداء بالعرض على الله عز وجل وكان الخواص يبكى ويقول في مناجاته ، قد كبرت وضعف جسمي عن خدمتك فأعتقني وقال صالح المري : قدم علينا ابن السماك مرة فقال . أرني شيئا من بعض عجائب عبّادكم . فذهبت به إلى رجل في بعض الأحياء في خص له ، فاستأذنا عليه ، فإذا رجل يعمل خوصا . فقرأت عليه * ( إِذِ الأَغْلالُ في أَعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ في الْحَمِيمِ ثُمَّ في النَّارِ يُسْجَرُونَ « 1 » ) * فشهق الرجل شهقة وخر مغشيا عليه ، فخرجنا من عنده وتركناه على حاله وذهبنا إلى آخر ، فدخلنا عليه ، فقرأت هذه الآية ، فشهق شهقة وخر مغشيا عليه . فذهبنا واستأذنا على ثالث ، فقال ادخلوا إن لم تشغلونا عن ربنا . فقرأت * ( ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وخافَ وَعِيدِ « 2 » ) * فشهق شهقة ، فبدا الدم من منخريه ، وجعل يتشحط في حتى يبس . فتركناه على حاله وخرجنا . فأدرته على ستة أنفس ، كل نخرج من عنده ونتركه
--> « 1 » غافر : 71 « 2 » إبراهيم : 14