الغزالي
53
إحياء علوم الدين
يا ليتني لم أك شيئا مذكورا ، يا ليتني كنت نسيا منسيا ، يا ليتني لم تلدني أمي . وكان في وجه عمر رضي الله عنه خطان أسودان من الدموع . وقال رضي الله عنه : من خلف الله لم يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد ، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون ولما قرأ عمر رضي الله عنه * ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ « 1 » ) * وانتهى إلى قوله تعالى * ( وإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ « 2 » ) * خر مغشيا عليه . ومرّ يوما بدار إنسان وهو يصلى ويقرأ سورة * ( والطُّورِ « 3 » ) * فوقف يستمع ، فلما بلغ قوله تعالى * ( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَه ُ من دافِعٍ « 4 » ) * نزل عن حماره ، واستند إلى حائط ، ومكث زمانا ، ورجع إلى منزله فمرض شهرا يعوده الناس ، ولا يدرون ما مرضه . وقال علي كرم الله وجهه ، وقد سلم من صلاة الفجر ، وقد علاوة كآبة وهو يقلب يده : لقد رأيت أصحاب محمد صلَّى الله عليه وسلم ، فلم أر اليوم شيئا يشبههم . لقد كانوا يصبحون شعثا ، صفرا ، غبرا ، بين أعينهم أمثال ركب المعزى ، قد باتوا للَّه سجدا وقياما يتلون كتاب الله ، يراوحون بين جباههم وأقدامهم ، فإذا أصبحوا ذكروا الله ، تمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح ، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم . والله فكأني بالقوم باتوا غافلين . ثم قام فما رؤي بعد ذلك ضاحكا حتى ضربه ابن ملجم وقال عمر ان بن حصين : وددت أن أكون رمادا تنسفنى الرياح في يوم عاصف . وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه : وددت أنى كبش فيذبحنى أهلي ، فيأكلون لحمي ، ويحسون مرقى . وكان علي بن الحسين رضي الله عنه إذا توضأ اصفر لونه . فيقول له أهله . ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول . أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ! وقال موسى بن مسعود : كنا إذا جلسنا إلى الثوري كأن النار قد أحاطت بنا ، لما نرى من خوفه وجزعه . وقرأ مضر القارئ يوما * ( هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ « 5 » ) * الآية ، فبكى عبد الواحد بن زيد حتى غشي عليه ، فلما أفاق قال : وعزتك لا عصيتك جهدي أبدا ، فأعنى بتوفيقك على طاعتك . وكان المسور بن مخرمة لا يقوى أن يسمع شيئا من القرءان لشدة خوفه . ولقد كان يقرأ عنده الحرف والآية فيصيح صيحة فما يعقل أياما ، حتى أتى عليه رجل من خثعم ، فقرأ عليه * ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ونَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً « 6 » ) *
--> « 1 » التكوير : 1 « 2 » التكوير : 10 « 3 » الطور : 1 « 4 » الطور : 7 « 5 » الجائية : 29 « 6 » مريم : 85 ، 86