الغزالي

49

إحياء علوم الدين

فقلت يا رسول الله لا أشتهيه . فقال « لكنّى أشتهيه وهذا صبح رابعة لم أذق طعاما ولم أجده ولو سألت ربّي لأعطانى ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين في قلوبهم » قال فوالله ما برحنا ولا قمنا حتى نزلت * ( وكَأَيِّنْ من دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ « 1 » ) * قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنّ الله لم يأمركم بكنز المال ولا باتّباع الشّهوات من كنز دنانير يريد بها حياة فانية فإنّ الحياة بيد الله ألا وإنّى لا أكنز دينارا ولا درهما ولا أخبأ رزقا لغد » [ خوف إبراهيم ( عليه السلام ) ] وقال أبو الدرداء : كان يسمع أزيز قلب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة من مسيرة ميل ، خوفا من ربه [ خوف داود عليه السلام ] وقال مجاهد : بكى داود عليه السلام أربعين يوما - ساجد الا يرفع رأسه ، حتى نبت المرعى من دموعه ، وحتى غطى رأسه ، فنودي يا داود أجائع أنت فتطعم ، أم ظمآن فتسقى ، أم عار فتكسى ؟ فنحب نحبة هاج العود فاحترق من حر خوفه ، ثم أنزل الله تعالى عليه التوبة والمغفرة . فقال يا رب اجعل خطيئنى في كفى . فصارت خطيئته في كفه مكتوبة . فكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب ولا لغيره إلا رآها فأبكته . قال وكان يؤتى بالقدح ثلثاه ، فإذا تناوله أبصر خطيئته ، فما يضعه على شفته حتى يفيض القدح من دموعه ويروى عنه عليه السّلام أنه ما رفع رأسه إلى السماء حتى مات ، حياء من الله عز وجل ، وكان يقول في مناجاته : إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها . وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إليّ روحي . سبحانك إلهي أتيت أطباء عبادك ليداووا خطيئتي فكلهم عليك يدلني . فبؤسا للقانطين من رحمتك وقال الفضيل : بلغني أن داود عليه السّلام ذكر ذنبه ذات يوم ، فوثب صارخا واضعا يده على رأسه حتى لحق بالجبال فاجتمعت إليه السباع ، فقال ارجعوا لا أريدكم إنما أريد كل بكَّاء على خطيئته ، فلا يستقبلني إلا بالبكاء . ومن لم يكن ذا خطيئة فما يصنع بداود الخطاء . وكان يعاتب

--> « 1 » العنكبوت : 60