الغزالي
46
إحياء علوم الدين
كلهم هلكى إلا العاملون ، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون . والمخلصون على خطر عظيم واعلم أن ذلك لا يتيسر لك ما لم تقنع من الدنيا بقدر ضرورتك ، وضرورتك مطعم ، وملبس ، ومسكن ، والباقي كله فضول والضرورة من المطعم ما يقيم طلبك ، ويسدّ رمقك فينبغي أن يكون تناولك تناول مضطر كاره له ، ولا تكون رغبتك فيه أكثر من رغبتك في قضاء حاجتك ، إذ لا فرق بين إدخال الطعام في البطن وإخراجه ، فهما ضرورتان في الجبلَّة . وكما لا يكون قضاء الحاجة من همتك التي يشتغل بها قلبك ، فلا ينبغي أن يكون تناول الطعام من همتك . واعلم أنه إن كان همتك ما يدخل بطنك ، فقيمتك ما يخرج من بطنك وإذا لم يكن قصدك من الطعام إلا التقوّى على عبادة الله تعالى ، كقصدك من قضاء حاجتك فعلامة ذلك تظهر في ثلاثة أمور من مأكولك : في وقته ، وقدره ، وجنسه أما الوقت : فأقله أن يكتفي في اليوم والليلة بمرة واحدة ، فيواظب على الصوم وأما قدره فبأن لا يزيد على ثلث البطن . وأما جنسه فأن لا يطلب لذائذ الأطعمة بل يقنع بما يتفق . فإن قدرت على هذه الثلاث ، وسقطت عنك مئونة الشهوات اللذائذ قدرت بعد ذلك على ترك الشبهات ، وأمكنك أن لا تأكل إلا من حله ، فإن الحلال يعز ولا يفي بجميع الشهوات وأما ملبسك فليكن غرضك منه دفع الحر والبرد ، وستر العورة . فكل ما دفع البرد عن رأسك ، ولو قلنسوة بدانق ، فطلبك غيره فضول منك ، يضيع فيه زمانك ، ويلزمك الشغل الدائم ، والعناء القائم في تحصيله بالكسب مرة ، والطمع أخرى ، من الحرام والشبهة وقس بهذا ما تدفع به الحر والبرد عن بدنك ، فكل ما حصل مقصود اللباس إن لم تكتف به في خساسة قدره وجنسه ، لم يكن لك موقف ومرد بعده بل كنت ممن لا يملأ بطنه إلا التراب وكذلك المسكن ، إن اكتفيت بمقصوده كفتك السماء سقفا . والأرض مستقرا . فإن غلبك حر أو برد فعليك بالمساجد . فإن طلبت مسكنا خاصا طال عليك ، وانصرف إليه أكثر عمرك ، وعمرك هو بضاعتك . ثم إن تيسر لك فقصدت من الحائط سوى كونه حائلا بينك وبين الأبصار ، ومن السقف سوى كونه دافعا للأمطار ، فأخذت ترفع الحيطان ، وتزين السقوف ، فقد تورطت في مهواة يبعد رقيك منها