الغزالي

44

إحياء علوم الدين

ولذلك قال حامد اللفاف : إذا صعدت الملائكة بروح العبد المؤمن وقد مات على الخير والإسلام تعجبت الملائكة منه ، وقالوا كيف نجا هذا من دنيا فسد فيها خيارنا ؟ وكان الثوري يوما يبكى ، فقيل له علام تبكي ؟ فقال بكينا على الذنوب زمانا ، فالآن تبكي على الإسلام وبالجملة من وقعت سفينته في لجة البحر ، وهجمت عليه الرياح العاصفة ، واضطربت الأمواج ، كانت النجاة في حقه أبعد من الهلاك . وقلب المؤمن أشد اضطرابا من السفينة وأمواج الخواطر أعظم التطاما من أمواج البحر . وإنما المخوف عند الموت خاطر سوء يخطر فقط ، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة خمسين سنة حتّى لا يبقى بينه وبين الجنّة إلَّا فواق ناقة فيختم له بما سبق به الكتاب » ولا يتسع فواق الناقة لأعمال توجب الشقاوة ، بل هي الخواطر التي تضطرب وتخطر خطور البرق الخاطف وقال سهل : رأيت كأني أدخلت الجنة ، فرأيت ثلاثمائة نبي ، فسألتهم ما أخوف ما كنتم تخافون في الدنيا ؟ قالوا سوء الخاتمة . ولأجل هذا الخطر العظيم كانت الشهادة مغبوطا عليها ، وكان موت الفجأة مكروها أما الموت فجأة ، فلأنه ربما يتفق عند غلبة خاطر سوء واستيلائه على القلب ، والقلب لا يخلو عن أمثاله إلا أن يدفع بالكراهة ، أو بنور المعرفة وأما الشهادة فلأنها عبارة عن قبض الروح في حالة لم يبق في القلب سوى حب الله تعالى ، وخرج حب الدنيا ، والأهل ، والمال ، والولد ، وجميع الشهوات عن القلب ، إذ لا يهجم على صف القتال ، موطنا نفسه على الموت إلا حبا لله ، وطلبا لمرضاته ، وبائعا دنياه بآخرته ، وراضيا بالبيع الذي بايعه الله به ، إذ قال تعالى * ( إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ « 1 » ) * والبائع راغب عن المبيع لا محالة ، ومخرج حبه عن القلب ، ومجرد حب العوض المطلوب في قلبه . ومثل هذه الحالة قد يغلب على القلب في بعض الأحوال ، ولكن لا يتفق زهوق الروح فيها ، فصف القتال سبب لزهوق الروح

--> « 1 » التوبة : 111