الغزالي
39
إحياء علوم الدين
مقبلة ، وشهوات الدنيا بمخنقها آخذة ، وعن تمام الفكر صارفة فإذا فتح باب الكلام في الله وفي صفاته بالرأي والمعقول ، مع تفاوت الناس في قرائحهم ، واختلافهم في طبائعهم ، وحرص كل جاهل منهم على أن يدعى الكمال أو الإحاطة بكنه الحق ، انطلقت ألسنتهم بما يقع لكل واحد منهم ، وتعلق ذلك بقلوب المصغين إليهم ، وتأكد ذلك بطول الألف فيهم ، فانسد بالكلية طريق الخلاص عليهم . فكانت سلامة الخلق في أن يشتغلوا بالأعمال الصالحة ، ولا يتعرضوا لما هو خارج عن حد طاقتهم . ولكن الآن قد استرخى العنان ، وفشا الهذيان . ونزل كل جاهل على ما وافق طبعه بظن وحسبان ، وهو يعتقد أن ذلك علم واستيقان ، وأنه صفو الإيمان ويظن أن ما وقع به من حدس وتخمين علم اليقين وعين اليقين ، ولتعلمن نبأه بعد حين . وينبغي أن ينشد في هؤلاء عند كشف الغطاء : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر واعلم يقينا أن كل من فارق الإيمان الساذج باللَّه ورسوله وكتبه ، وخاض في البحث فقد تعرض لهذا الخطر . ومثاله مثال من انكسرت سفينته وهو في ملتطم الأمواج ، يرميه موج إلى موج ، فربما يتفق أن يلقيه إلى الساحل وذلك بعيد ، والهلاك عليه أغلب وكل نازل على عقيدة تلقفها من الباحثين ببضاعة عقولهم ، إما مع الأدلة التي حرروها في تعصباتهم ، أو دون الأدلة ، فإنه إن كان شاكا فيه فهو فاسد الدين ، وإن كان واثقا به فهو آمن من مكر الله . مغتر بعقله الناقص ، وكل خائض في البحث فلا ينفك عن هاتين الحالتين إلا إذا جاوز حدود المعقول ، إلى نور المكاشفة الذي هو مشرق في عالم الولاية والنبوّة وذلك هو الكبريت الأحمر ، وأنى يتيسر ! وإنما يسلم عن هذا الخطر البله من العوام ، أو الذين شغلهم خوف النار بطاعة الله ، فلم يخوضوا في هذا الفضول . فهذا أحد الأسباب المخطرة في سوء الخاتمة وأما السبب الثاني فهو ضعف الإيمان في الأصل ، ثم استيلاء حب الدنيا على القلب . ومهما ضعف الإيمان ضعف حب الله تعالى ، وقوى حب الدنيا ، فيصير بحيث لا يبقى في القلب