الغزالي
32
إحياء علوم الدين
الخوف إشعالا ، ولا يمكنها من الانطفاء . وكيف يؤمن تغير الحال وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، وأن القلب أشد تقلبا من القدر في غليانها . وقد قال مقلب القلوب عز وجل * ( إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ « 1 » ) * فأجهل الناس من أمنه وهو ينادى بالتحذير من الأمن . ولولا أن الله لطف بعباده العارفين ، إذ روح قلوبهم بروح الرجاء ، لاحترقت قلوبهم من نار الخوف . فأسباب الرجاء رحمة لخواص الله ، وأسباب الغفلة رحمة على عوام الخلق من وجه ، إذ لو انكشف الغطاء لزهقت النفوس ، وتقطعت القلوب ، من خوف مقلب القلوب . قال بعض العارفين : لو حالت بيني وبين من عرفته بالتوحيد خمسين سنة أسطوانة ، فمات ، لم أقطع له بالتوحيد لأني لا أدرى ما ظهر له من التقلب . وقال بعضهم : لو كانت الشهادة على باب الدار ، والموت على الإسلام عند باب الحجرة لاخترت الموت على الإسلام ، لأني لا أدرى ما يعرض لقلبي بين باب الحجرة وباب الدار وكان أبو الدرداء يحلف باللَّه ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه . وكان سهل يقول : خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة ، وعند كل حركة وهم الذين وصفهم الله تعالى إذ قال * ( وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ « 2 » ) * ولما احتضر سفيان جعل يبكى ويجزع ، فقيل له : يا أبا عبد الله عليك بالرجاء ، فإن عفو الله أعظم من ذنوبك . فقال : أو على ذنوبي أبكى ؟ لو علمت أنى أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا وحكي عن بعض الخائفين أنه أوصى بعض إخوانه فقال : إذا حضرتني الوفاة ، فاقعد عند رأسي ، فإن رأيتني مت على التوحيد ، فخذ جميع ما أملكه ، فاشترى به لوزا وسكرا ، وانثره على صبيان أهل البلد ، وقل هذا عرس المنفلت . وإن مت على غير التوحيد . فأعلم الناس بذلك حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ، ليحضر جنازتي من أحب على بصيرة ، لئلا يلحقني الرياء بعد الوفاة . قال وبم أعلم ذلك ؟ فذكر له علامة . فرأى علامة التوحيد عند موته ، فاشترى السكر واللوز وفرقه
--> « 1 » المعارج : 28 « 2 » المؤمنون : 60