الغزالي

199

إحياء علوم الدين

استعنت على رزقك بالمغازل ، أرأيت إن أخذ الله سمعك وبصرك ، الرزق على من ؟ فوقع ذلك في قلبه ، فأخرج آلة المغازل من بده وتركها . وقيل تركها لما نوهت باسمه وقصد لأجلها . وقيل فعل ذلك لما مات عياله ، كما كان لسفيان خمسون دينارا يتجر فيها ، فلما مات عياله فرقها فإن قلت : فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن إليها ، وهو يعلم أن الكسب بغير بضاعة لا يمكن ؟ فأقول بأن يعلم أن الذين يرزقهم الله تعالى بغير بضاعة فيهم كثرة ، وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة ، وأن يوطن نفسه على أن الله لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه ، فإن أهلك بضاعته فهو خير له ، فلعله لو تركه كان سببا لفساد دينه ، وقد لطف الله تعالى به ، وغايته أن يموت جوعا ، فينبغي أن يعتقد أن الموت جوعا خير له في الآخرة مهما قضى الله تعالى عليه بذلك ، من غير تقصير من جهته . فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة وعدمها . ففي الخبر [ 1 ] « إنّ العبد ليهمّ من اللَّيل بأمر من أمور التّجارة ممّا لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر الله تعالى إليه من فوق عرضه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا يتطير بجاره وابن عمّه من سبقني من دهانى وما هي إلَّا رحمة الله بها » . ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا ، فإني لا أدرى أيهما خير لي . ومن لم يتكامل يقينه بهذه الأمور لم يتصور منه التوكل . ولذلك قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري : لي من كل مقام نصيب إلا من هذا التوكل المبارك ، فإني ما شممت منه رائحة . هذا كلامه مع علو قدره ، ولم ينكر كونه من المقامات الممكنة ، ولكنه قال ما أدركته . ولعله أراد إدراك أقصاه وما لم يكمل الإيمان بأن لا فاعل إلا الله . ولا رازق سواه ، وأن كل ما يقدره على العبد من فقر ، وغنى ، وموت ، وحياة فهو خير له مما يتمناه العبد ، لم يكمل حال التوكل فبناء التوكل على قوة الإيمان بهذه الأمور كما سبق وكذا سائر مقامات الدين من الأقوال والأعمال تنبنى على أصولها من الإيمان . وبالجملة : التوكل مقام مفهوم ، ولكن يستدعى قوّة القلب وقوّة اليقين . ولذلك قال سهل : من طعن على التكسب فقد طعن على السنة . ومن طعن على