الغزالي
197
إحياء علوم الدين
إلى الذي يسخر له سكان البلد لإيصال رزقه إليه لا إلى سكان البلد ، إذ يتصور أن يغفل جميعهم عنه ويضيعوه لولا فضل الله تعالى بتعريفهم وتحريك دواعيهم المقام الثالث : أن يخرج ويكتسب اكتسابا على الوجه الذي ذكرناه في الباب الثالث والرابع من كتاب آداب الكسب وهذا السعي لا يخرجه أيضا عن مقامات التوكل إلا لم يكن طمأنينة نفسه إلى كفايته وقوّته ، وجاهه وبضاعته ، فإن ذلك ربما يهلكه الله تعالى جميعه في لحظة . بل يكون نظره إلى الكفيل الحق بحفظ جميع ذلك وتيسير أسبابه له ، بل يرى كسبه وبضاعته وكفايته بالإضافة إلى قدرة الله تعالى كما يرى القلم في يد الملك الموقع فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك أنه بما ذا يتحرك ، وإلى ما ذا يميل ، وبم يحكم ثم إن كان هذا المكتسب مكتسبا لعياله ، أو ليفرق على المساكين فهو ببدنه مكتسب ، وبقلبه عنه منقطع . فحال هذا أشرف من حال القاعد في بيته . والدليل على أن الكسب لا ينافي حال التوكل إذا روعيت فيه الشروط ، وانضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق ، أن الصديق رضي الله عنه ، لما بويع بالخلافة أصبح أخذ الأثواب تحت حضنه والذراع بيده ، ودخل السوق ينادى حتى كرهه المسلمون وقالوا : كيف تفعل ذلك وقد أقمت لخلافة النبوة ! فقال لا تشغلونى عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع . حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين . فلما رضوا بذلك رأى مساعدتهم ، وتطييب قلوبهم ، واستغراق الوقت بمصالح المسلمين أولى . ويستحيل أن يقال لم يكن الصديق في مقام التوكل . فمن أولى بهذا المقام منه ! فدل على أنه كان متوكلا لا باعتبار ترك الكسب والسعي ، بل باعتبار قطع الالتفات إلى قوته وكفايته ، والعلم بأن الله هو ميسر الاكتساب ومدبر الأسباب ، وبشروط كان يراعيها في طريق الكسب من الاكتفاء بقدر الحاجة من غير استكثار ، وتفاخر ، وادخار ، ومن غير أن يكون درهمه أحب إليه من درهم غيره . فمن دخل السوق ودرهمه أحب إليه من درهم غيره فهو حريص على الدنيا ومحب لها . ولا يصح التوكل إلا مع الزهد في الدنيا . نعم يصح الزهد دون التوكل فإن التوكل مقام وراء الزهد وقال أبو جعفر الحداد : وهو شيخ الجنيد رحمة الله عليهما ، وكان من المتوكلين . أخفيت التوكل عشرين سنة وما فارقت السوق . كنت أكتسب في كل يوم دينارا ولا أبيت منه