الغزالي
190
إحياء علوم الدين
الآدميين ، بل هما من خلق الله تعالى . فأما الحول والقوة فقد أشكل أمرهما على المعتزلة والفلاسفة ، وطوائف كثيرة ممن يدعى أنه يدقق النظر في الرأي والمعقول حتى يشق الشعر بحدة نظره ، فهي مهلكة مخطرة ، ومزلة عظيمة ، هلك فيها الغافلون إذ اثبتوا لأنفسهم أمرا ، وهو شرك في التوحيد : وإثبات خالق سوى الله تعالى فمن جاوز هذه العقبة بتوفيق الله تعالى إيّاه فقد علت رتبته ، وعظمت درجته . فهو الذي يصدق قول : لا حول ولا قوّة إلا باللَّه . وقد ذكرنا أنه ليس في التوحيد إلا عقبتان : إحداهما النظر إلى السماء والأرض ، والشمس ، والقمر ، والنجوم والغيم ، والمطر ، وسائر الجمادات ، والثانية النظر إلى اختيار الحيوانات ، وهي أعظم العقبتين وأخطرهما ، وبقطعهما كمال سر التوحيد فلذلك عظم ثواب هذه الكلمة ، أعنى ثواب المشاهدة التي هذه الكلمة ترجمتها فإذا رجع حال التوكل إلى التبري من الحول والقوّة ، والتوكل على الواحد الحق ، وسيتضح ذلك عند ذكرنا تفصيل أعمال التوكل إن شاء الله تعالى بيان ما قاله الشيوخ في أحوال التوكل ليتبين أن شيئا منها لا يخرج عما ذكرنا ، ولكن كل واحد يشير إلى بعض الأحوال فقد قال أبو موسى الديلي : قلت لأبي يزيد ما التوكل ؟ فقال ما تقول أنت ؟ قلت إن أصحابنا يقولون لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ، ما تحرك لذلك سرك فقال أبو يزيد . نعم هذا قريب ، ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون وأهل النار في النار يعذبون ، ثم وقع بك تمييز بينهما خرجت من جملة التوكل . فما ذكره أبو موسى فهو خبر عن أجلّ أحوال التوكل ، وهو المقام الثالث . وما ذكره أبو يزيد عبارة عن أعزّ أنواع العلم الذي هو من أصول التوكل ، وهو العلم بالحكمة ، وأن ما فعله الله تعالى فعله بالواجب ، فلا تمييز بين أهل النار وأهل الجنة بالإضافة إلى أصل العدل والحكمة . وهذا أغمض أنواع العلم ، ووراءه سر القدر ، وأبو يزيد قلما يتكلم إلا عن أعلى المقامات وأقضى الدرجات وليس ترك الاحتراز عن الحيّات شرطا في المقام الأوّل من التوكل فقد احترز [ 1 ] أبو بكر