الغزالي
18
إحياء علوم الدين
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله : ما تغرغرت عين بمائها إلا لم يرهق وجه صاحبها قتر ولا ذلة يوم القيامة ، فإن سالت دموعه أطفأ الله بأول قطرة منها بحارا من النيران . ولو أن رجلا بكى في أمة ما عذبت تلك الأمة . وقال أبو سليمان : البكاء من الخوف ، والرجاء والطرب من الشوق وقال كعب الأحبار رضي الله عنه : والذي نفسي بيده لأن أبكى من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتى ، أحب إلى من أن أتصدق بجبل من ذهب . وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلى من أن أتصدق بألف دينار وروي [ 1 ] عن حنظلة قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوعظنا موعظة وقت لها القلوب ، وذرفت منها العيون ، وعرفنا أنفسنا : فرجعت إلى أهلي ، فدنت منى المرأة ، وجرى بيننا من حديث الدنيا ، فنسيت ما كنا عليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذنا في الدنيا . ثم تذكرت ما كنا فيه ، فقلت في نفسي قد نافقت حيث تحول عنى ما كنت فيه من الخوف والرقة . فخرجت وجعلت أنادى نافق حنظلة فاستقبلني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : كلا لم ينافق حنظلة . فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول نافق حنظلة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كلا لم ينافق حنظلة » فقلت يا رسول الله ، كنا عندك فوعظتنا موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون وعرفنا أنفسنا . فرجعت إلى أهلي ، فأخذنا في حديث الدنيا ، ونسيت ما كنا عندك عليه فقال صلى الله عليه وسلم « يا حنظلة لو أنكم كنتم أبدا على تلك الحالة لصافحتكم الملائكة في الطرق وعلى فراشكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة » فإذا : كل ما ورد في فضل الرجاء والبكاء ، وفضل التقوى والورع ، وفضل العلم ومذمة الأمن ، فهو دلالة على فضل الخوف ، لأن جملة ذلك متعلقة به ، إما تعلق السبب ، أو تعلق المسبب