الغزالي

188

إحياء علوم الدين

وسنته . فإذا الأحوال ولا قوة إلا بالوكيل . إلا أن هذه الكلمة لا يكمل معناها في حق الوكيل ، لأنه ليس خالقا حوله وقوته ، بل هو جاعل لهما مفيدين في أنفسهما ، ولم يكونا مفيدين لولا فعله . وإنما يصدق ذلك في حق الوكيل الحقّ ، وهو الله تعالى ، إذ هو خالق الحول والقوة كما سبق في التوحيد ، وهو الذي جعلهما مفيدين إذ جعلهما شرطا لما سيخلقه من بعدهما من الفوائد والمقاصد فإذا لا حول ولا قوة إلا باللَّه حقا وصدقا . فمن شاهد هذا كله كان له الثواب العظيم الذي وردت به الأخبار [ 1 ] فيمن يقول لا حول ولا قوة إلا باللَّه . وذلك قد يستبعد فيقال : كيف يعطى هذا الثواب كله بهذه الكلمة مع سهولتها على اللسان ، وسهولة اعتقاد القلب بمفهوم لفظها ؟ وهيهات ! فإنما ذلك جزاء على هذه المشاهدة التي ذكرناها في التوحيد . ونسبة هذه الكلمة وثوابها إلى كلمة لا إله إلا الله وثوابها كنسبة معنى إحداهما إلى الأخرى . إذ في هذه الكلمة إضافة شيئين إلى الله تعالى فقط ، وهما الحول والقوة . وأما كلمة لا إله إلا الله فهو نسبة الكل إليه . فانظر إلى التفاوت بين الكل وبين شيئين لتعرف به ثواب لا إله إلا الله بالإضافة إلى هذا . وكما ذكرنا من قبل أن للتوحيد قشرين ولبين فكذلك لهذه الكلمة ولسائر الكلمات . وأكثر الخلق قيدوا بالقشرين وما طرقوا إلى اللبين الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من قال لا إله إلا الله صادقا من قلبه مخلصا وجبت له الجنّة » وحيث أطلق من غير ذكر الصدق والإخلاص أراد بالمطلق هذا المقيد ، كما أضاف المغفرة إلى الإيمان والعمل الصالح في بعض المواضع ، وأضافها إلى مجرد الإيمان في بعض المواضع ، والمراد به المقيد بالعمل الصالح فالملك لا ينال بالحديث ، وحركة اللسان حديث ، وعقد القلب أيضا حديث ، ولكنه حديث نفس . وإنما الصدق والإخلاص وراءهما . ولا ينصب سرير الملك إلا للمقربين وهم المخلصون . نعم لمن يقرب منهم في الرتبة من أصحاب اليمين أيضا درجات عند الله تعالى وإن كانت لا تنتهي إلى الملك . أما ترى أن الله سبحانه لما ذكره في سورة الواقعة المقربين السابقين تعرض لسرير الملك فقال * ( عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ « 1 » )

--> « 1 » الواقعة : 15 ، 16