الغزالي

174

إحياء علوم الدين

تمثل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك حدثت الإرادة بالتغميض ضرورة ، وحدثت الحركة بها . ولو أراد أن يترك ذلك لم يقدر عليه ، مع أنه فعل بالقدرة والإرادة ، فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريا وأما الثالث : وهو الاختياري فهو مظنة الالتباس ، كالكتابة والنطق ، وهو الذي بقال فيه إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، وتارة يشاء وتارة لا يشاء ، فيظن من هذا أن الأمر إليه ، وهذا للجهل بمعنى الاختيار ، فلنكشف عنه وبيانه أن الإرادة تبع للعلم الذي يحكم بأن الشيء موافق لك . والأشياء تنقسم إلى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنه يوافقك من غير تحير وتردد ، وإلى ما قد يتردد العقل فيه . فالذي تقطع به من غير تردد ، أن يقصد عينك مثلا بإبرة ، أو بدنك بسيف . فلا يكون في علمك تردد في أن دفع ذلك خير لك وموافق . فلا جرم تنبعث الإرادة بالعلم والقدرة بالإرادة ، وتحصل حركة الأجفان بالدفع ، وحركة اليد بدفع السيف ، ولكن من غير رويّة وفكرة . ويكون ذلك بالإرادة ومن الأشياء ما يتوقف التمييز والعقل فيه ، فلا يدرى أنه موافق أم لا ، فيحتاج إلى رويّة وفكر حتى يتميز أن الخير في الفعل أو الترك . فإذا حصل بالفكر والروية العلم بأن أحدهما خير ، التحق ذلك بالذي يقطع به من غير روية وفكر ، فانبعث الإرادة هاهنا كما تنبعث لدفع السيف والسنان . فإذا انبعثت لفعل ما ظهر للعقل أنه خير سميت هذه الإرادة اختيارا مشتقا من الخير ، أي هو انبعاث إلى ما ظهر للعقل أنه خير ، وهو عين تلك الإرادة ولم ينتظر في انبعاثها إلى ما انتظرت تلك الإرادة وهو ظهور خيرية الفعل في حقه ، إلا أن الخيرية في دفع السيف ظهرت من غير روية ، بل على البديهة ، وهذا افتقر إلى الروية فالاختيار عبارة عن إرادة خاصة ، وهي التي انبعث بإشارة العقل فيما له في إدراكه توقف وعن هذا قيل إن العقل يحتاج إليه للتمييز بين خير الخيرين ، وشر الشرين . ولا يتصور أن تنبعث الإرادة إلا بحكم الحس والتخييل ، أو بحكم جزم من العقل ، ولذلك لو أراد الإنسان أن يحزّ رقبة نفسه مثلا لم يمكنه . لا لعدم القدرة في اليد ، ولا لعدم السكين ، ولكن لفقد الإرادة الداعية المشخصة للقدرة ، وإنما فقدت الإرادة لأنها تنبعث بحكم العقل أو الحس