الغزالي

167

إحياء علوم الدين

إليها كثيرة . فالصواب لك أن تنصرف وتدع ما أنت فيه ، فما هذا بعشك فادرج عنه ، فكل ميسر لما خلق له وإن كنت راغبا في استتمام الطريق إلى المقصد ، فألق سمعك وأنت شهيد ، واعلم أن العوالم في طريقك هذا ثلاثة : عالم الملك والشهادة أوّلها ، ولقد كان الكاغذ ، والحبر ، والقلم واليد من هذا العالم ، وقد جاوزت تلك المنازل على سهولة والثاني : عالم الملكوت ، وهو ورائي . فإذا جاوزتنى انتهيت إلى منازلة ، وفيه المهامه ، والفيح ، والجبال الشاهقة ، والبحار المغرقة ، ولا أدرى كيف تسلم فيها والثالث . وهو عالم الجبروت ، وهو بين عالم الملك وعالم الملكوت . ولقد قطعت منها ثلاث منازل في أوائلها ، منزل القدرة ، والإرادة ، والعلم ، وهو واسطة ، بين عالم الملك والشهادة والملكوت ، لأن عالم الملك أسهل منه طريقا ، وعالم الملكوت أوعر منه منهجا . وإنما عالم الجبروت بين عالم الملك وعالم الملكوت يشبه السفينة التي هي في الحركة بين الأرض والماء ، فلا هي في حد اضطراب الماء ، ولا هي في حد سكون الأرض وثباتها وكل من يمشى على الأرض يمشى في عالم الملك والشهادة ، فإن جاوزت قوته إلى أن يقوى على ركوب السفينة كان كمن يمشى في عالم الجبروت . فإن انتهى إلى أن يمشي على الماء من غير سفينة مشى في عالم الملكوت من غير تتعتع فإن كنت لا تقدر على المشي على الماء فانصرف ، فقد جاوزت الأرض ، وخلفت السفينة ولم يبق بين يديك إلا الماء الصافي . وأوّل عالم الملكوت مشاهدة القلم الذي يكتب به العلم في لوح القلب ، وحصول اليقين الذي يمشى به على الماء . أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام « لو ازداد يقينا لمشى على الهواء » لما [ 1 ] قيل له إنه كان يمشى على الماء فقال السالك السائل . قد تحيرت في أمري واستشعر قلبي خوفا مما وصفته من خطر الطريق ، ولست أدرى أطيق قطع هذه المهامة التي وصفتها أم لا ، فهل لذلك من علامة ؟ قال نعم . افتح بصرك ، واجمع ضوء عينيك ، وحدقه نحوى ، فإن ظهر لك القلم الذي به أكتب في لوح القلب ، فيشبه أن تكون أهلا لهذا الطريق ، فإن كان من جاوز عالم