الغزالي

162

إحياء علوم الدين

بل كان منه خوفك ، وإليه رجاؤك ، وبه ثقتك ، وعليه اتكالك . فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره ، وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرة من ملكوت السماوات والأرض . وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحا أتم من المشاهدة بالبصر وإنما يصدك الشيطان عن هذا التوحيد في مقام يبتغى به أن يطرق إلى قلبك شائبة الشرك بسببين : أحدهما : الالتفات إلى اختيار الحيوانات ، والثاني : الالتفات إلى الجمادات أما الالتفات إلى الجمادات فكاعتمادك على المطر في خروج الزرع ونباته ونمائه ، وعلى الغيم في نزول المطر ، وعلى البرد في اجتماع الغيم ، وعلى الريح في استواء السفينة وسيرها . وهذا كله شرك في التوحيد ، وجهل بحقائق الأمور . ولذلك قال تعالى * ( فَإِذا رَكِبُوا في الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَه ُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) * « 1 » ) قيل معناه أنهم يقولون لولا استواء الريح لما نجونا ومن انكشف له أمر العالم كما هو عليه ، علم أن الريح هو الهواء ، والهواء لا يتحرك بنفسه ما لم يحركه محرك ، وكذلك محركه ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له ، ولا هو متحرك في نفسه عز وجل . فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته ، فكتب الملك توقيعا بالعفو عنه وتخليته ، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغذ والقلم الذي به كتب التوقيع يقول : لولا القلم لما تخلصت ، فيرى نجاته من القلم لا من محرك القلم ، وهو غاية الجهل . ومن علم أن القلم لا حكم له في نفسه ، وإنما هو مسخر في يد الكاتب ، لم يلتفت إليه ، ولم يشكر إلا الكاتب . بل ربما يدهشه فرح النجاة ، وشكر الملك والكاتب ، من أن يخطر بباله القلم ، والحبر ، والدواة . والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والمطر ، والغيم ، والأرض ، وكل حيوان وجماد مسخرات في قبضة القدرة ، كتسخير القلم في يد الكاتب . بل هذا تمثيل في حقك لاعتقادك أن الملك الموقع هو الكاتب التوقيع . والحق أن الله تبارك وتعالى هو الكاتب ، لقوله تعالى * ( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى « 2 » ) * فإذا انكشف لك أن جميع ما في السماوات وما في الأرض مسخرات على هذا الوجه انصرف عنك الشيطان خائبا وأيس عن مزج توحيدك بهذا الشرك ، فأتاك في المهلكة

--> « 1 » العنكبوت : 65 « 2 » الأنفال : 17