الغزالي

152

إحياء علوم الدين

وقال النصرآباذي : الزاهد غريب في الدنيا ، والعارف غريب في الآخرة وقال يحيي بن معاذ : علامة الزهد ثلاث . عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعز بلا رياسة وقال أيضا : الزاهد لله يسعطك الخل والخردل ، والعارف يشمك المسك والعنبر وقال له رجل . متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزهد ، وأقعد مع الزهدين ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك . فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة ، فجلوسك على بساط الزاهدين جهل . ثم لا آمن عليك أن تفتضح وقال أيضا : الدنيا كالعروس ، ومن يطلبها ماشطتها ، والزاهد فيها يسخم وجهها ، وينتف شعرها ، ويخرق ثوبها . والعارف يشتغل باللَّه تعالى ولا يلتفت إليها وقال السري : مارست كل شيء من أمر الزهد ، فنلت منه ما أريد إلا الزهد في الناس ، فإني لم أبلغه ولم أطقه وقال الفضيل رحمه الله : جعل الله الشر كله في بيت ، وجعل مفتاحه حب الدنيا . وجعل الخير كله في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا فهذا ما أردنا أن نذكره من حقيقة الزهد وأحكامه . وإذا كان الزهد لا يتم إلا بالتوكل ، فلنشرع في بيانه إن شاء الله تعالى