الغزالي
148
إحياء علوم الدين
يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء ، وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه ، واحتمال الذل فيه . وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلونه ، وربما يكونون أعداء له ، وقد يستعينون به على المعصية ، فيكون هو معينا لهم عليها ولذلك شبه جامع الدنيا ومتبع الشهوات بدود القز ، لا يزال ينسج على نفسه حيا ، ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا ، فيموت ويهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه . فكذلك كل من اتبع شهوات الدنيا فإنما يحكم على قلبه بسلاسل تقيّده بما يشتهيه ، حتى تتظاهر عليه السلاسل فيقيده المال ، والجاه ، والأهل ، والولد ، وشماتة الأعداء ، ومراءاة الأصدقاء ، وسائر حظوظ الدنيا . فلو خطر له أنه قد أخطأ فيه ، فقصد الخروج من الدنيا ، لم يقدر عليه ، ورأى قلبه مقيدا بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها . ولو ترك محبوبا من محابه باختياره ، كاد أن يكون قاتلا لنفسه ، وساعيا في هلاكه ، إلى أن يفرق ملك الموت بينه وبين جميعها دفعة واحدة فتبقى السلاسل في قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته وخلفها ، فهي تجاذبه إلى الدنيا ، ومخالب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة . فيكون أهون أحواله عند الموت أن يكون كشخص ينشر بالمنشار ، ويفصل أحد جانبيه عن الآخر بالمجاذبة من الجانبين . والذي ينشر بالمنشار إنما ينزل المؤلم ببدنه ، ويألم قلبه بذلك بطريق السراية من حديث أثره . فما ظنك بألم يتمكن أولا من صميم القلب ، مخصوصا به لا بطريق السراية إليه من غيره فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرة فوت النزول في أعلى عليين ، وجوار رب العالمين . فبالنزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى . وعند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم ، إذ النار غير مسلطة إلا على محجوب . قال الله تعالى * ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ « 1 » ) * فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب . وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار . فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه ! فنسأل الله تعالى أن يقرر أسماعنا [ 1 ] ما نفث في روع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قيل له . أحبب من أحببت فإنك مفارقه وفي معنى ما ذكرناه من المثال قول الشاعر
--> « 1 » التطفيف : 15