الغزالي
145
إحياء علوم الدين
ووافقه على هذا القول ابن عيينة وقال : كان أزهد الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكان له أربع نسوة ، وبضع عشر سرية والصحيح ما قاله أبو سليمان الداراني رحمه الله إذ قال : كل ما شغلك عن الله من أهل . ومال ، وولد ، فهو عليك مشئوم . والمرأة قد تكون شاغلا عن الله وكشف الحق فيه أنه قد تكون العزوبة أفضل في بعض الأحوال كما سبق في كتاب النكاح ، فيكون ترك النكاح من الزهد . وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة الغالبة فهو واجب ، فكيف يكون تركه من الزهد وإن لم يكن عليه آفة في تركه ولا فعله ، ولكن ترك النكاح احترازا عن ميل القلب إليهن ، والأنس بهن ، بحيث يشتغل عن ذكر الله ، فترك ذلك من الزهد . فإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله ، ولكن ترك ذلك احتراز من لذة النظر ، والمضاجعة ، والمواقعة ، فليس هذا من الزهد أصلا ، فإن الولد مقصود لبقاء نسله ، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من القربات . واللذة التي تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضره ، إذ لم تكن هي المقصد والمطلب . وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذة الأكل والشرب ، وليس ذلك من الزهد في شيء ، لأن في ترك ذلك فوات بدنه ، فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا في لذته ، من غير خوف آفة أخرى وهذا ما عناه سهل لا محالة . ولأجله نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا فمن حاله حال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] ، في أنه لا يشغله كثرة النسوة ، ولا اشتغال القلب بإصلاحهنّ والإنفاق عليهنّ ، فلا معنى لزهده فيهن حذرا من مجرد لذة الوقاع والنظر . ولكن أنّى بتصوّر ذلك لغير الأنبياء والأولياء ! فأكثر الناس يشغلهم كثرة النسوان . فينبغي أن يترك الأصل إن كان يشغله . وإن لم يشغله وكان يخاف من أن تشغله الكثرة منهن ، أو جمال المرأة ، فلينكح واحدة غير جميلة ، وليراع قلبه في ذلك . قال أبو سليمان . الزهد في النساء أن يختار المرأة الدون أو اليتيمة ، على المرأة الجميلة والشريفة .