الغزالي
133
إحياء علوم الدين
والجوع إدامه ، والحكمة كلامه ، والتراب فراشه ، والتقوى زاده ، والصمت غنيمته ، والصبر معتمده ، والتوكل حسبه ، والعقل دليله ، والعبادة حرفته ، والجنة مبلغه إن شاء الله تعالى المهم الثاني : الملبس وأقل درجته ما يدفع الحر ، والبرد ، ويستر العورة . وهو كساء يتغطى به وأوسطه قميص ، وقلنسوة ، ونعلان . وأعلاه أن يكون معه منديل وسراويل : وما جاوز هذا من حيث المقدار فهو مجاوز حد الزهد . وشرط الزاهد أن لا يكون له ثوب يلبسه إذا غسل ثوبه بل يلزمه القعود في البيت . فإذا صار صاحب قميصين ، وسراويلين ، ومنديلين ، فقد خرج من جميع أبواب الزهد من حيث المقدار أما الجنس فأقله المسوح الخشنة . وأوسطه الصوف الخشن ، وأعلاه القطن الغليظ وأما من حيث الوقت فأقصاه ما يستر سنة ، وأقله ما يبقى يوما . حتى رقع بعضهم ثوبه بورق الشجر ، وإن كان يتسارع الجفاف إليه . وأوسطه ما يتماسك عليه شهرا وما يقاربه فطلب ما يبقى أكثر من سنة خروج إلى طول الأمل ، وهو مضاد للزهد ، إلا إذا كان المطلوب خشونته ، ثم قد يتبع ذلك قوته ودوامه . فمن وجد زيادة من ذلك فينبغي أن يتصدق به . فإن أمسكه لم يكن زاهدا . بل كان محبا للدنيا ولينظر فيه إلى أحوال الأنبياء والصحابة كيف تركوا الملابس قال أبو بردة [ 1 ] : أخرجت لنا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبدا ، وإزارا غليظا ، فقالت . قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين . وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إن الله تعالى يحبّ المتبذل الَّذي لا يبالي ما لبس » . وقال عمرو بن الأسود العنسي . لا ألبس مشهورا أبدا ، ولا أنام بليل على دثار أبدا ، ولا أركب على مأثور أبدا ، ولا أملأ جوفي من طعام أبدا . فقال [ 3 ] عمر : من سره أن ينظر إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى عمرو بن الأسود