الغزالي

130

إحياء علوم الدين

وإن قلت : فلا بد وأن أتلذذ بالأكل عند الجوع ، فاعلم أن ذلك لا يضرك ، إذا لم يكن قصدك التلذذ . فإن شارب الماء البارد قد يستلذ الشرب ، ويرجع حاصله إلى زوال ألم العطش ومن يقضى حاجته قد يستريح بذلك ، ولكن لا يكون ذلك مقصودا عنده ومطلوبا بالقصد فلا يكون القلب منصرفا إليه . فالإنسان قد يستريح في قيام الليل بتنسم الأسحار وصوت الأطيار ، ولكن إذا لم يقصد طلب موضع لهذه الاستراحة فما يصيبه من ذلك بغير قصد لا يضره . ولقد كان في الخائفين من طلب موضعا لا يصيبه فيه نسيم الأسحار ، خيفة من الاستراحة به ، وأنس القلب معه ، فيكون فيه أنس بالدنيا ، ونقصان في الأنس باللَّه بقدر وقوع الأنس بغير الله . ولذلك كان داود الطائي له حب مكشوف فيه ماؤه ، فكان لا يرفعه من الشمس ، ويشرب الماء الحار ويقول . من وجد لذة الماء البارد شق عليه مفارقة الدنيا فهذه مخاوف المحتاطين . والحزم في جميع ذلك الاحتياط ، فإنه وإن كان شاقا فمدته قريبة والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأييد لا يثقل على أهل المعرفة ، القاهرين لأنفسهم بسياسة الشرع المعتصمين بعروة اليقين في معرفة المضادة التي بين الدنيا والدين ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة اعلم أن ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضول وإلى مهم : فالفضول كالخيل المسومة مثلا ، إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفه بركوبها ، وهو قادر على المشي . والمهم كالأكل والشرب . ولسنا نقدر على تفصيل أصناف الفضول ، فإن ذلك لا ينحصر . وإنما ينحصر المهم الضروري . والمهم أيضا يتطرق إليه فضول في مقداره . وجنسه ، وأوقاته . فلا بد من بيان وجه الزهد فيه . والمهمات ستة أمور . المطعم ، والملبس ، والمسكن وأثاثه ، والمنكح ، والمال ، والجاه يطلب لأغراض ، وهذه الستة من جملتها ، وقد ذكرنا معنى الجاه وسبب حب الخلق له ، وكيفية الاحتراز منه ، في كتاب الرياء من ربع المهلكات . ونحن الآن نقتصر على بيان هذه المهمات الستة الأول المطعم : ولا بد للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه . ولكن له طول وعرض فلا بد من قبض طوله وعرضه حتى يتم به الزهد . فأما طوله فبالإضافة إلى جملة العمر ، فإن