الغزالي

103

إحياء علوم الدين

لأن من لا كسب له ، ولا مال ورثه من كسب أبيه أو أحد قرابته ، فيأكل من أيدي الناس وإن أعطى بغير سؤال فإنما يعطى بدينه . ومتى يكون باطنه بحيث لو انكشف لا يعطى بدينه فيكون ما يأخذه حراما . وإن أعطى بسؤال فأين متن يطيب قلبه بالعطاء إذا سئل ؟ وأين من يقتصر في السؤال على حد الضرورة ؟ فإذا فتشت أحوال من يأكل من أيدي الناس علمت أن جميع ما يأكله أو أكثره سحت وأن الطيب هو الكسب الذي اكتسبته بحلالك أنت أو مورثك . فإذا بعيد أن يجتمع الورع مع الأكل من أيدي الناس ، فنسأل الله تعالى أن يقطع طمعنا عن غيره ، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه ، وبفضله عمن سواه يمنه وسعة جوده ، فإنه على ما يشاء قدير بيان مقدار الغنى المحرم للسؤال اعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم « من سأل عن ظهر غنى فإنّما يسأل جمرا فليستقل منه أو ليستكثر » صريح في التحريم . ولكن حد الغنى مشكل ، وتقديره عسير . وليس إلينا وضع المقادير ، بل يستدرك ذلك بالتوقيف وقد ورد في الحديث [ 1 ] « استغنوا بغنى الله تعالى عن غيره » قالوا وما هو ؟ قال « غداء يوم وعشاء ليلة » وفي حديث آخر [ 2 ] « من سأل وله خمسون درهما أو عدلها من الذّهب فقد سأل إلحافا » وورد في لفظ آخر أربعون درهما . ومهما اختلفت التقديرات وصحت الأخبار فينبغي أن يقطع بورودها على أحوال مختلفة . فإن الحق في نفسه لا يكون إلا واحدا والتقدير ممتنع . وغاية الممكن فيه تقريب ولا يتم ذلك إلا بتقسيم محيط بأحوال المحتاجين فنقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا حقّ لابن آدم إلَّا في ثلاث طعام يقيم صلبه وثوب يوارى عورته وبيت يكنّه فما زاد فهو حساب » فلنجعل هذه الثلاث أصلا في الحاجات لبيان أجناسها والنظر في الأجناس والمقادير والأوقات