الغزالي

101

إحياء علوم الدين

فإن قلت : فإذا أخذ مع العلم بأن باعث المعطى هو الحياء منه أو من الحاضرين ، ولولاه لما ابتدأه به ، فهل هو حلال أو شبهة ؟ فأقول ذلك حرام محض لا خلاف فيه بين الأمة . وحكمه حكم أخذ مال الغير بالضرب والمصادرة ، إذ لا فرق بين أن يضرب ظاهر جلده بسياط الخشب ، أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء وخوف الملام . وضرب الباطن أشد نكاية في قلوب العقلاء . ولا يجوز أن يقال هو في الظاهر قد رضي به ، وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما أحكم بالظَّاهر والله يتولَّى السّرائر » فإن هذه ضرورة القضاة في فصل الخصومات ، إذ لا يمكن ردهم إلى البواطن وقرائن الأحوال ، فاضطروا إلى الحكم بظاهر القول باللسان ، مع أنه ترجمان كثير الكذب ، ولكن الضرورة دعت إليه . وهذا سؤال عما بين العبد وبين الله تعالى ، والحاكم فيه أحكم الحاكمين ، والقلوب عنده كالألسنة عند سائر الحكام ، فلا تنظر في مثل هذا إلا إلى قلبك وإن أفتوك وأفتوك ، فإن المفتي معلم للقاضي والسلطان ليحكموا في عالم الشهادة ، ومفتى القلوب هم علماء الآخرة ، وبفتواهم النجاة من سطوة سلطان الآخرة ، كما أن بفتوى الفقيه النجاة من سطوة سلطان الدنيا . فإذا ما أخذه مع الكراهة لا يملكه بينه وبين الله تعالى ، ويجب عليه رده إلى صاحبه . فطن كان يستحي من أن يسترده ولم يسترده ، فعليه أن يثيبه على ذلك بما يساوى قيمته في معرض الهدية والمقابلة ، ليتفصى عن عهدته . فإن لم يقبل هديته ، فعليه أن يرد ذلك إلى ورثته . فإن تلف في يده فهو مضمون عليه بينه وبين الله تعالى ، وهو عاص بالتصرف فيه ، وبالسؤال الذي حصل به الأذى فإن قلت : فهذا أمر باطن يعسر الاطلاع عليه ، فكيف السبيل إلى الخلاص منه ؟ فربما يظن السائل أنه راض ولا يكون هو في الباطن راضيا فأقول : لهذا ترك المتقون السؤال رأسا : فما كانوا يأخذون من أحد شيئا أصلا . فكان بشر لا يأخذ من أحد أصلا إلا من السري رحمة الله عليهما . وقال : لأني علمت أنه يفرح بخروج المال من يده ، فأنا أعينه على ما يحب . وإنما عظم النكير في السؤال وتأكد الأمر بالتعفف لهذا ، لأن الأذى إنما يحل بضرورة ، وهو أن يكون السائل مشرفا على الهلاك ،