وهبة الزحيلي
14
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والاستمرار على ذلك ، فإن استغفرتم وتبتم من الذنوب ، يمتعكم متاعا حسنا في الدنيا ، أي يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية ، من عيشة طيبة ورزق واسع ونعمة متتابعة إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى أن يتوفاكم ، كقوله تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل 16 / 97 ] . والجمع بين الاستغفار والتوبة للدلالة على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند اللّه إلا بإظهار التوبة ، والاستغفار مطلوب بالذات ، والتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار ، هذا على أساس أنهما معنيان متباينان ؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة وهي الستر ، والتوبة : الانسلاخ من المعاصي ، والندم على ما سلف منها ، والعزم على عدم العود إليها ، والمعنى : استغفروا من الشرك ، ثم ارجعوا إليه بالطاعة . ومن قال : الاستغفار توبة ، جعل قوله : ثُمَّ تُوبُوا بمعنى أخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والعبادة . وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ أي ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل جزاء فضله لا يبخس منه . والتمتيع في الدنيا والثواب في الآخرة جمع بين الجزاءين ، إلا أن جزاء الدنيا موقوت محدود ، وجزاء الآخرة دائم مطلق غير مقيد بشيء . وفي هذا دلالة على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه تعالى ، وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطائه ، كما أن فيه إشارة إلى أن ثواب الدنيا لمجموع الناس ، لا لكل فرد فرد ، وأما جزاء الآخرة فمخصوص بكل فرد على حدة . ومن عادة القرآن أن يذكر الشيء وفائدته للترغيب فيه ، ثم يذكر مقابله للترهيب والتهديد ، والتنفير ، فقال تعالى : وَإِنْ تَوَلَّوْا . . أي وإن أعرضتم عما دعوتكم إليه من عبادة اللّه وحده لا شريك له ، فإني أخشى عليكم عذاب يوم كبير هو يوم القيامة ، وصف بالكبر لما فيه من الأهوال ، كما وصف بالعظم والثقل والشدة والألم ، لما فيه من العظائم والشدائد والأثقال والآلام .