وهبة الزحيلي

6

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والعجزة والمرضى والمعذّرين المفسدين ، فكان شأنهم قبول المهانة والمذلة والانتظام في جملة الخوالف ، وذلك من أخس مظاهر الخزي والعارفي عرف العرب وغيرهم . وقد تكرر هذا مع الآية السابقة [ 87 ] لترسيخ هذا الوصف فيهم ، وللتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم . وترتب على تقصيرهم ما قاله تعالى في الآيتين : وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ . . . أي وختم عليها ، حتى لا يصل إليها الخير ، ولا ينفذ إليها النور ، فهم لذلك لا يهتدون ، ولا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا ، بسبب ما أحاطت بهم خطاياهم وذنوبهم ، فأصبحوا لا يدركون حقيقة أمرهم ، وسوء عاقبتهم . فقه الحياة أو الأحكام : الإسلام دين العقل والمنطق والواقعية ، كما أنه دين الرحمة والحق والعدل ، لذا فإنه تعالى نفى السبيل على المحسنين ، أي رفع العقوبة والإثم عن المؤمنين ذوي الأعذار ، وأوجب العقوبة والمأثم على المنافقين المستأذنين وهم أغنياء ذوو قدرة على الجهاد بالمال والنفس . وقد كرر تعالى ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم . فلا عذر لهم بالتخلف عن الجهاد ، وإنما كان السبب في استئذانهم رضاهم بالدناءة والخسة ، وخذلان اللّه تعالى إياهم ، وأن اللّه طبع على قلوبهم ، بسبب سوء أعمالهم . ويا لها من خسارة ! فقد شلّ فيهم عنصر أو أداة التمييز بين الخير والشر ، وبين المصلحة والضرر . وإنهم خسروا الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا أصبحوا قوما منبوذين عن المجتمع ، وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأليم .