وهبة الزحيلي
27
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المخلصين ، فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها . وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ادع لهم واستغفر سَكَنٌ أي تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم ، والسكن في الأصل : ما تسكن إليه النفس وترتاح من منزل وأهل ومال ودعاء وثناء وَاللَّهُ سَمِيعٌ لاعترافهم عَلِيمٌ بندامتهم وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ يقبلها التَّوَّابُ صيغة مبالغة ، أي يقبل توبة عباده الرَّحِيمُ بهم ، صيغة مبالغة أيضا . اعْمَلُوا ما شئتم وَسَتُرَدُّونَ بالبعث إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ اللّه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يجازيكم به سبب النزول : نزول الآية ( 103 ) : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ : أخرج ابن جرير عن ابن عباس : أن هؤلاء الذين أطلقهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم من سواري المسجد لما اعترفوا بذنوبهم وتاب اللّه عليهم ، وهم أبو لبابة وأصحابه ، جاؤوا بأموالهم ، فقالوا : يا رسول اللّه ، هذه أموالنا التي كانت سببا في تخلفنا ، فتصدق بها عنا واستغفر لنا ، فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ، فأنزل اللّه : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً الآية . فأخذ الرسول صلى اللّه عليه وسلّم من أموالهم الثلث . قال الحسن البصري : وكان ذلك كفارة الذنب الذي حصل منهم . وقال جماعة من الفقهاء : المراد بهذه الآية الزكاة المفروضة ، وعلى هذا يكون قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ هو لجميع الأموال والناس ، وهو عام يراد به الخصوص في الأموال ، إذ يخرج عنه الأموال التي لا زكاة فيها كالديار والثياب « 1 » . وهذا النص ، وإن كان خاصا بالرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وذا سبب خاص ، فهو عام يشمل خلفاء الرسول ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، لذا قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب ، حتى أدّوا الزكاة إلى الخليفة ، كما كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقال الصدّيق : « واللّه لو منعوني عقالا - أو عناقا - كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، لأقاتلنهم على منعه » .
--> ( 1 ) البحر المحيط : 5 / 95