وهبة الزحيلي
21
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
في منى سنة إحدى عشرة من البعثة ، وكانوا سبعة ، ثم أصحاب بيعة العقبة الثانية ، وكانوا سبعين رجلا وامرأتين . والثالثة : التابعون للأولين بإحسان : أي بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة . وهؤلاء جميعا رضي اللّه عنهم بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم ، ورضوا عنه بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية ، فانقذهم من الشرك والضلال ، ووفقهم إلى الخير ، وهداهم إلى الحق ، وأعزهم وأغناهم ، وأعز بهم الإسلام ، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها أبدا ، وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره ، وهو فوز شامل ، كما أن نعيم الجنة شامل للبدن والروح معا . ويلاحظ أن الاتباع المطلوب هو الاتباع بإحسان ، أي إحسان الأعمال والنيات والظواهر والبواطن ، أما الاكتفاء بظاهر الإسلام فلا يحقق شرط الإحسان . وحينئذ ينطبق عليهم قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران 3 / 110 ] وقوله عز وجل : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة 2 / 143 ] . ثم أخبر اللّه تعالى عن فئة المنافقين حول المدينة وفيها ، فقال : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ . . . أي إن في المدينة وما حولها مردة المنافقين الذين مرنوا على النفاق وأتقنوه ، وثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا ، وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، الذين كانت منازلهم حول المدينة ، وكان جماعة منهم آخرون في المدينة من الأوس والخزرج ، لا تعلمهم أو لا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي ، ولا تعلم عاقبة أمورهم ، وإنما نحن نختص بعلمها وبمعرفتهم ، كما قال تعالى فيهم : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ . وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ [ محمد 47 / 29 - 30 ] . وقوله وَمِمَّنْ يشير إلى بعضهم ، أما الآخرون فهم مؤمنون بدليل