وهبة الزحيلي
20
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة ، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة . والمراد من البينة : هذه المعجزة « 1 » . وقد أراد اللّه أيضا من الفريقين كما دل ظاهر قوله : لِيَهْلِكَ . . . العلم والمعرفة والخير والصلاح . فإظهار المعجزة وإعلام فريقي المؤمنين والكافرين بالحجة على أحقية الإسلام وبطلان الشرك هو النوع الأول من النعم التي أنعم اللّه بها على أهل بدر . والنوع الثاني من النعم يعرف من قوله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ وهو : تقليل الكافرين في أعين المؤمنين ، ليقدموا على القتال بروح معنوية عالية ، وبحماسة تحقق النصر والغلبة . والنوع الثالث من النعم يوم بدر يتبين من قوله : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ . . . وهو أن التقليل الذي حصل في النوم تأكد بحصوله في اليقظة ، فهذا في اليقظة ، فقلل اللّه تعالى عدد المشركين في أعين المؤمنين ، وقلل أيضا عدد المؤمنين في أعين المشركين ، والحكمة في التقليل الأول : تصديق رؤيا الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وتقوية قلوب المؤمنين ، وازدياد جرأتهم عليهم . والحكمة في التقليل الثاني : أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين ، لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر ، فصار ذلك سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم . والمقصود من ذكر قوله تعالى : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا في موضعين : في الآية 42 ، وفي الآية 44 : هو أن ذكره في الموضع الأول لبيان أن اللّه تعالى فعل تلك الأفعال من أجل نصر المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وللترغيب في اللقاء . وذكره في الموضع
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 15 / 168 .