وهبة الزحيلي
11
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
كلّ الآيات معاينة ومواجهة ، فإنهم لن يؤمنوا ، لتأصّلهم في الكفر ، وفقد استعدادهم للإذعان بالحقّ ، فأكثر المشركين يجهلون الحقّ ولا يعرفونه . ومن سنّته تعالى في الخلق ظهور أعداء من الإنس والجنّ للأنبياء وأتباعهم ، لأنّ الحقّ يعرف بضدّه من الباطل . وأهل الباطل يصغون أسماعهم لما يوسوس به شياطين الجنّ وشياطين الإنس ، ويقتنعون بالقول المزيّن المغشوش الذي لا مصداقيّة له ولا صحّة ، ولا بقاء ولا استقرار . قال مالك بن دينار : إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجنّ ، وذلك أنّي إذا تعوّذت باللّه ، ذهب عنّي شيطان الجنّ ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عيانا . واللّه قادر على تحويل المشركين إلى مؤمنين ، ولكن حكمته ومشيئته وإرادته اقتضت ترك الاختيار إليهم ، ليكون الجزاء عدلا مطابقا للواقع . ودلّ قوله تعالى : ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ على أنه تعالى ما شاء منهم الإيمان ، فهم لا يؤمنون إلا أن يشاء اللّه إيمانهم . ومآل القول المزخرف المزيّن وهو الباطل وعاقبته أنه يستمع إليه ويميل إليه غير المؤمنين بالآخرة ، ويرضون به ، ويؤدي بهم إلى اكتساب المعاصي واقتراف السّيئات واجتراح الذّنوب . وهكذا فإن عقاب العصاة بسبب ذنوبهم وسيئاتهم ، وليس للّه حاجة في تعذيبهم والتّنكيل بهم ، وإنّما العقاب أمر يقتضيه العدل المطلق للتّمييز بين المحسنين الأبرار وبين المسيئين الأشرار ، فلا يعقل التّسوية بين من لازم الطاعة ، فعمل والتزم أوامر اللّه ، وبين من قارف المعصية ، فأعرض واستكبر ، وعتا