وهبة الزحيلي

8

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

عمران 3 / 181 ] ، وأبان زيف عقيدة النصارى في التثليث وتأليه المسيح ، ذكر هنا موقفهم في العداوة والمحبة من المؤمنين ، ونبه على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين ، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة ، بل إنهم أشد عداوة من المشركين لتقديم ذكرهم على ذكر المشركين ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه ابن مردويه عن أبي هريرة : « ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله » وذكر تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم . التفسير والبيان : أقسم اللّه تعالى بذاته على أن أشد الناس المعاصرين للتنزيل عداوة للمؤمنين هم اليهود ؛ لأن كفرهم كفر عناد وجحود وهضم للحق ، بل إن عداوتهم أشد من عداوة المشركين لتقديمهم في الذكر ، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء ، حتى هموا بقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غير مرة ، وسموه وسحروه ، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين ، ثم يليهم في العداوة والبغضاء المشركون عبدة الأوثان لجهلهم بحقائق الدين ، وبالإله الحق ، وبالنبوات ، والفريقان متشابهان في الكفر والعتو والبغي وغلبة الحياة المادية وحب الذات . وأشد ما لقي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أذى ، كان من يهود الحجاز ، ومن مشركي العرب في الجزيرة ، وخاصة أهل مكة والطائف . وو اللّه إن أقرب الناس محبة ومودة للمؤمنين : الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى أي قالوا : إنهم أتباع المسيح والإنجيل ، فكان فيهم في الجملة مودة للإسلام وأهله ، لما في قلوبهم على دين المسيح من الرقة والرأفة ، كما قال تعالى : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً [ الحديد 57 / 37 ] وفي الإنجيل : « من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر » . وقد رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من النصارى خيرا ، فتلقى نصارى الحبشة المؤمنين