وهبة الزحيلي
17
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
عمله في السّر ، فقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على الفراش ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه فقال : « ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ، لكني أصلّي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » . وخرّجه البخاري عن أنس أيضا بلفظ آخر ، قال : « جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسألون عن عبادته ؛ فلما أخبروا كأنّهم تقالّوها ، فقالوا : وأين نحن من النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قد غفر اللّه له من ذنبه ما تقدّم وما تأخّر ، فقال أحدهم : أما أنا ، فإنّي أصلّي الليل أبدا . وقال آخر : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر : أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوّج أبدا . فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما واللّه ، إنّي لأخشاكم للّه ، وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلّي وأرقد ، وأتزوّج النساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » . وهذا صريح في نبذ التّزمّت والتّشدّد والمبالغة في التّديّن ، وهو صريح أيضا في أنّ الإسلام دين اليسر والسّماحة ، أخرج الإمام أحمد عن أنس أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن هذا الدّين متين ، فأوغلوا فيه برفق » . و أخرج أحمد أيضا عن أبي أمامة الباهلي أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّي لم أبعث باليهوديّة ولا النّصرانية ، ولكنّي بعثت بالحنيفية السّمحة » . وقال علماء المالكية : في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها ردّ على غلاة المتزهّدين ، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين ؛ إذ كلّ فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه « 1 » ؛ قال الطّبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحلّ اللّه لعباده المؤمنين على نفسه من طيّبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقّة ، ولذلك ردّ
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 6 / 262