وهبة الزحيلي
73
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه ، لم يكن محرما ، وهو مذهب الجمهور ؛ لحديث البخاري عن عائشة قالت : « أنا فتلت قلائد هدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيديّ : ثم قلدها بيديه ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيء أحلّه اللّه له حتى نحر الهدي » . وقال الحنفية : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي ، وهو - فيما رواه البخاري - رأي ابن عباس . ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلّد أو أشعر ؛ لأنه قد وجب . وإن مات موجبه لم يورث عنه ويذبح في الحرم ، بخلاف الأضحية فإنها لا تجب إلا بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول ؛ فإن أوجبها بالقول قبل الذبح ، فقال : « جعلت هذه الشاة أضحية » تعينت . وعليه إن تلفت ثم وجدها أن يذبحها . وقال الشافعي : لا بدل عليه إذا ضلّت أو سرقت ، إنما الإبدال في الواجب . ولا تحلوا قوما قاصدين إلى البيت الحرام ، أي لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبد والقربة . وهذا كله منسوخ بآية السيف : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة 9 / 5 ] وقوله تعالى : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة 9 / 28 ] فلا يمكّن المشرك من الحج ، ولا يؤمّن في الأشهر الحرم ، وإن أهدى وقلّد وحج . ودل قوله تعالى : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً على جواز ابتغاء الفضل أي الأرباح في التجارة . ودل قوله عز وجل : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا على إباحة صيد غير الحرم بعد الانتهاء من أعمال الحج ، فهو أمر إباحة بإجماع الناس ، لرفع ما كان محظورا بالإحرام . وقال المالكية : الأمر على أصله من الوجوب ، وإنما فهمت الإباحة