وهبة الزحيلي

45

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهو مكون بكلمة لكِنْ التكوينية من غير أب : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس 36 / 82 ] إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران 3 / 47 ] . فكما أن اللّه قادر على أن يخلق بشرا من غير أب ولا أم وهو آدم عليه السلام ، أو من غير أم وإنما من أب فقط وهو حواء ، أو بسبب ظاهر معتاد من أب وأم ، قادر على أن يخلق إنسانا من غير أب وهو عيسى عليه السلام : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران 3 / 59 ] وأخبر اللّه تعالى عن بشرية عيسى وعبوديته للّه تعالى فقال : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [ الزخرف 43 / 59 ] والمادة أو الطبيعة بنفسها مخلوقة عاجزة عن خلق غيرها ، فإن الأصل الأول للأشياء المخلوقة كلها هو اللّه تعالى . وهو مؤيد أيضا بروح كائنة من اللّه تعالى ، لا جزءا ولا بعضا منه ، كما فهم المسيحيون ، وإلا لكان كل بشر مخلوق بنفخ الروح من اللّه من طريق الملك بعضا من اللّه : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ أي من اللّه [ الجاثية 45 / 13 ] . وتأييده بالروح الأمين ثابت بقوله تعالى : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ البقرة 2 / 87 ، 253 ] ووصف اللّه المؤمنين أيضا بتأييدهم بروح من اللّه فقال : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ المجادلة 58 / 22 ] . قال مجاهد : رُوحٌ مِنْهُ أي ورسول منه ، أي أنه مخلوق من روح مخلوقة . وأضيفت الروح إلى اللّه على وجه التشريف ، كما أضيفت الناقة والبيت إلى اللّه في قوله : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ [ الأعراف 7 / 73 ] وفي قوله : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [ الحج 22 / 26 ] وكما روي في الحديث الصحيح : « فأدخل على ربي في داره » أضافها إليه إضافة تشريف ، وهذا كله من قبيل واحد ، ونمط واحد . وإذا كان الخلق الحقيقي للّه تعالى لعيسى وغيره ، فآمنوا باللّه الواحد الأحد ، وصدقوا بأن اللّه واحد أحد ، لا ولد له ولا صاحبة ، واعلموا وتيقنوا بأن