وهبة الزحيلي

40

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : أثبت الحق تعالى في الآيات السابقة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بشهادته له بما أنزل عليه ، ثم أنذر في هذه الآيات من يكفر به ، وقد ذكر فيها صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم ، وهي أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن ، وصدوا غيرهم عن سبيل اللّه . التفسير والبيان : إن الذين كفروا باللّه وبرسوله وبالقرآن ، وصدوا غيرهم عن دين الإسلام واتباع النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والاقتداء به ، بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، نحو قولهم : لو كان رسولا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء ، كما نزلت التوراة على موسى ، وقولهم : إن اللّه تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، وقولهم : إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود . . هؤلاء وهم اليهود قد ضلوا ضلالا بعيدا أي خرجوا عن الحق والصواب وبعدوا عنه بعدا عظيما شاسعا . ثم أعلن اللّه تعالى حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله ، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه ، وهو أنه لا يغفر لهم ، ولا يهديهم طريقا إلى الخير ، ولا يوفقهم بعدئذ إلى صواب ، وليس من شأنه أن يوصلهم إلا إلى الجزاء على أعمالهم وهو طريق جهنم . وقوله : إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ استثناء منقطع ، فهي طريق الكافرين الظالمين . ومصيرهم في جهنم هو الخلود فيها ، أي البقاء فيها على حال واحدة لا تغيير فيها ولا فناء ، وهو خلود أبدي ، والأبد : الزمن الممتد ، واللّه أعلم باستمراره بما يتناسب مع أعمالهم ، وكان ذلك الجزاء سهلا على اللّه دون غيره ؛ لأنه القادر على كل شيء ، الواحد القهار ، يفعل بما تقتضيه الحكمة والعدل . وفي هذا تحقير لشأنهم .