وهبة الزحيلي

277

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لكم ، واللّه هو السميع لأقوال عباده ، العليم بكل شيء ، فلم تعدلون عن عبادته - وهو النافع الحق لكم - إلى عبادة بشر ، أو جماد لا يسمع ولا يبصر ، ولا يعلم شيئا ، ولا يملك البشر والحجر وغيرهما ضرا ولا نفعا لغيره ولا لنفسه . فإن اليهود الذين عادوا المسيح لم يقدر على إلحاق الضرر بهم ، بل حاولوا صلبه وقتله ، ولم يتمكن هو بدفع ضررهم عن نفسه ، وكذا لم يستطع تحقيق نفع دنيوي لأتباعه وأنصاره وصحبه ، وقد تعرضوا للطرد والتعذيب ، فكيف يعقل أن يكون إلها ؟ . ثم أمر اللّه نبيه أن يقول أيضا لأهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) : يا أهل الكتاب ، لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ، ولا تبالغوا في تعظيم العزير ، ولا تعظيم عيسى ، حتى تؤلّهوا أحدا منهما فتخرجوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام الألوهية ، وتجعلوا عزيرا ابن اللّه ، ولا تبالغوا أيضا أيها اليهود في إهانة عيسى وأمه ، وتنسبوها إلى الفاحشة . ولا تتبعوا أهواء قوم وآراءهم النابعة من شهواتهم ، وهم شيوخ الضلال الذين ضلوا قديما ، وأضلوا كثيرا من الناس ، وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال . ثم بيّن اللّه تعالى سبب ذلك : وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقال : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . أي أنه تعالى لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل ، فيما أنزله على داود نبيه عليه السلام ، وعلى لسان عيسى ابن مريم ، بسبب عصيانهم للّه ، واعتدائهم على خلقه ، ولعن داود من اعتدى منهم يوم السبت ومن عصى اللّه ، ولعن عيسى العصاة من بني إسرائيل بسبب تمردهم ومخالفتهم أوامر اللّه . قال ابن عباس : لعنوا في التوراة والإنجيل ، وفي الزبور ، وفي الفرقان . كان العالم منهم لا ينهى أحدا عن ارتكاب المآثم