وهبة الزحيلي
261
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التفسير والبيان : يأمر اللّه تعالى رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم مخاطبا له بصفة الرسالة بإبلاغ جميع ما أنزله اللّه عليه ، فقام بالواجب أتم القيامة ، وبلّغ الرسالة ، وأدّى الأمانة ، ونصح للأمة ، فجزاه اللّه خير الجزاء ، قال البخاري عند تفسير هذه الآية من حديث عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل اللّه عليه فقد كذب ، وهو يقول : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي . وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت : « لو كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [ الأحزاب 33 / 37 ] . ومعنى الآية يا أيها الرسول المرسل من عند ربه برسالة إلى الناس كافة بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك ، ولا تخشى في ذلك أحدا ، ولا تخف أن ينالك مكروه . وإن لم تبلغ فورا ما أنزل إليك ولم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به ، بأن كتمته ولو إلى حين ، فما قمت بواجب التبليغ إلى الناس ، كما قال تعالى : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [ المائدة 5 / 99 ] . والحكمة في هذا الأمر بالتبليغ وتأكيده بقوله : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ . . بجعل كتمان بعضه مثل كتمان كله ، مع أن الرسل معصومون من كتمان شيء مما أنزله اللّه إليهم . هو إعلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن التبليغ حتم لا يجوز له الاجتهاد بتأجيل شيء عن وقته . والحكمة بالنسبة للناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص ، فلا يختلفوا فيها . وقد بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فورا جميع ما أنزل إليه من القرآن ، قال البخاري : قال الزهري : من اللّه الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم ، وقد شهدت له