وهبة الزحيلي
250
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ استعارة أيضا ، استعار ذلك لتوسعة الرزق عليهم ، كما يقال : عمّه الرزق من فوقه إلى قدمه . المفردات اللغوية : يَدُ اللَّهِ اليد : هي في الحقيقة العضو المعروف من الأصابع حتى الكتف ، أو إلى الرسغ ، وتطلق مجازا على النعمة ، تقول : لفلان عندي يد أي معروف ونعمة ، وعلى العطاء والنفقة ، كما يقال : ما أبسط يده بالنوال ، أي العطاء الجزيل ، وعلى القدرة مثل قوله تعالى : أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ [ ص 38 / 45 ] أي ذوي القوة والعقول . والمقصود بقولهم : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أي ممسكة عن العطاء والإنفاق وإدرار الرزق علينا ، كنّوا به عن البخل ، تعالى اللّه عن ذلك . غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ أمسكت وانقبضت عن فعل الخير ، وهو دعاء عليهم بالبخل يَداهُ مَبْسُوطَتانِ أي كثير العطاء ، مبالغة بالوصف بالجود ، وثنّى اليد لإفادة الكثرة ؛ إذ غاية ما يبذله السخي من ماله : أن يعطي بيديه ونحن نؤمن باليد من غير تشبيه ولا تجسيم . وإن كان قصدهم أثر اليد وهو الإنعام بقرينة الإنفاق . يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ من توسيع وتضييق ، لا اعتراض عليه . ما أنزل إليك من بالأمن والسلم ، والسلب ولو بغير قتل ، وإثارة الفتنة أَطْفَأَهَا اللَّهُ أي كلما أرادوه ردهم وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أي مفسدين بالمعاصي وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ أي يعاقبهم . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَاتَّقَوْا الكفر وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بالعمل بما فيهما على أتم وجه ، سواء الإيمان الصحيح ، ومنه الإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والعمل الصالح . وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من الكتب لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أي لوسع عليهم الرزق وفاض من كل جهة مِنْهُمْ أُمَّةٌ جماعة مُقْتَصِدَةٌ معتدلة في أمر الدين ، وهم من آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ أي بئس ما يعمله الكثيرون منهم . سبب النزول : أخرج الطبراني وابن إسحاق عن ابن عباس قال : قال رجل من اليهود يقال له : النباش بن قيس للنبي : إن ربك بخيل لا ينفق ، فأنزل اللّه : وَقالَتِ الْيَهُودُ : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . وأخرج أبو الشيخ ابن حيان من وجه آخر عن ابن عباس قال : نزلت : وَقالَتِ الْيَهُودُ : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ في فنحاص رأس يهود بني قينقاع وهذا ما قاله عكرمة .