وهبة الزحيلي

243

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ومن لعنه اللّه ، أي أبعده وطرده من رحمته ، واللعنة تلزم الغضب الإلهي ، وهو يستلزم اللعنة ؛ إذ هي منتهى المؤاخذة لمن غضب اللّه عليه . وغضب عليه ، أي غضبا لا يرضى عنه أبدا . وجعل منهم القردة والخنازير غضبا منه عليهم وسخطا ، فعجل لهم الخزي والنكال في الدنيا ، وذلك مثل قوله تعالى المتقدم : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ، فَقُلْنا لَهُمْ : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [ البقرة 2 / 65 ] وقوله فيما يأتي : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [ الأعراف 7 / 166 ] والجمهور على أنهم مسخوا حقيقة ، فكانوا قردة وخنازير وانقرضوا ، والقردة : أصحاب السبت ، والخنازير : كفار مائدة عيسى ، وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت ؛ لأن شبابهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير . والدليل على انقراضهم ما رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن القردة والخنازير ، أهي مما مسخ اللّه ؟ فقال : « إن اللّه لم يهلك قوما - أو قال : لم يمسخ قوما - فيجعل لهم نسلا ولا عقبا ، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك » . ونقل الطبري عن مجاهد وغيره في قوله : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي أذلة صاغرين « 1 » . وعبد الطاغوت ، أي جعل منهم من صير الطاغوت معبودا من دون اللّه ، والطاغوت : كل ما عبد من دون اللّه ، كالأصنام والشيطان والعجل ، فكانت عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان ، فصارت عبادتهم له عبادة للشيطان . أولئك المتصفون بما ذكر من المخازي والمعايب شر مكانا مما تظنون بنا ؛ إذ لامكان لهم في الآخرة إلا النار ، وهم أضل عن قصد الطريق الوسط المعتدل وهو

--> ( 1 ) تفسير الطبري : 1 / 264