وهبة الزحيلي

216

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

سائغي الاتباع ، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم ، وأبان منزلته من الكتب المتقدمة قبله ، وأن الحكمة اقتضت تعدد الشرائع والمناهج لهداية البشر بحسب الأحوال والأزمان . التفسير والبيان : وأنزلنا إليك أيها النبي القرآن الكريم الذي أكملنا به الدين ، مشتملا على الحق والصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند اللّه : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت 41 / 42 ] مصدقا ومؤيدا للكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ، المتضمنة ذكره ومدحه وأنه سينزل من عند اللّه على عبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن تلك الكتب من عند اللّه ، وأن موسى وعيسى رسولان من عند اللّه ، لم يفتريا على اللّه كذبا ، وإنما أنتم وآباؤكم حرفتم ونسيتم كثيرا مما أوتيتم . والقرآن جاء أيضا مهيمنا ، أي حاكما على ما قبله من الكتب ، وشاهدا عليها بما نزل فيها ، وشاهدا لها بالصحة والثبات في أصلها ، ومبينا حقيقة أمرها ، وما طرأ عليها من نسيان وتحريف وتبديل . قال ابن عباس وابن جريج وآخرون : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ : القرآن أمين مؤتمن على ما تقدمه من الكتب ، فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر : إن كان في القرآن فصدقوا ، وإلا فكذبوا « 1 » . وإذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته ، فاحكم يا محمد وكذا كل حاكم ، بين أهل الكتاب وبين الناس قاطبة ، احكم بما أنزل اللّه إليك فيه من الأحكام ، دون ما أنزله إليهم ؛ إذ شريعتك ناسخة لشريعتهم . احكم بما في هذا الكتاب العظيم وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من

--> ( 1 ) تفسير الطبري : 6 / 172